فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 495

ثم يأتي جهلهم مرة أخرى حين تعمى أبصارهم عن رؤية النهايات التي بها يتم صلاح الواقع .. فالداعمون للرؤية القُطرية لا يعلمون اتصال فساد بلادهم بكل بلاد المسلمين، ولذلك كل ذهاب إلى الإصلاح الداخلي دون اصلاح الشرايين والأوردة المتصلة بكل عالم الإسلام هو وهم!

أجلى قضية في هذا الباب هي القضية الفلسطينية، وهي أوضح في موضوعها كون الغازي والمفسد أجنبي طارئ، ومع ذلك كان كل ذهاب الى هذه القضية بعيدًا عن الرؤية العامة للجهاد، والتي تقوم على النظر أن القضية الفلسطينية هي مظهر المرض وعوارضه لا نفسه، وأما المرض فهو بالنظر إلى عموم الجسد المسلم، والى أهمية الاعتناء بكل الشرايين والأوردة التي تتعامل معه .. ولذلك لا يمكن حل هذه القضية إلا من خلال عموم الأمة، وكذلك النظر إلى عموم قضاياها .. !

النظر الى قضايا الجهاد الحادثة دون التعامل معها أنها جزء من الهمّ الإسلامي كلّه؛ هو وضع الجزئي في حالة إزالة للكلي!

ويأبى الله إلا أن يجعل ما منّ الله به على الأمة من جهاد إلا حالة أمة عامة، بقدره الذي يغلب اختياراتهم، وبتقديره الذي يغلب رؤاهم التي يلبسونها لباس الفتوى ..

لم يكن خطابه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق وهو يقوم بعمل دفاعي بحت عن المدينة في قضية فتح كسرى وقيصر لأمر نفسي فقطر، بل هو تعليم لهذه الأمة أن ترفع شعار مقاصد الدين الكلية، وطموحاته المبنية على الوعود النبوية!!! حتى والمجاهد تحت النار، وحتى وهو يقاتل قتال الدفع!

إن هذه المقاصد الكلية هي التي ستضبط قراراتنا الجزئية ..

وهي التي تقدمنا للعالم على وجه من وجوه الشخصية القرآنية، نحمل الإسلام، وندعو إليه، ونكشف حقائقه ووعوده حتى ونحن ندفع عن أعراضنا وأنفسنا وأبنائنا .. فليست المسألة تقوم على التقديم والتأجيل كما يحاول أن يصورها البعض، لكنها في حقيقتها صراع بين الشخصية القرآنية المهتدية، وبين الشخصية الجاهلية التي تطلب تصريحًا لدخولها عالم الجاهلية في قيمه وقوانينه!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت