فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 495

بل لها علاقة بتقية التصوف نفسه الذي يتلون بلون بيئته التي يعيش فيها، فهم لا يتورعون من جعل طريقهم ممتدا لأبي بكر وعلي رضي الله عنهما، لا لابن تيمية وابن القيم فقط.

وجانب آخر من جوانب فوائد هذا الكتاب، وهو تعلم إعذار الناس والعلماء، وهو جانب مهم في زماننا؛ نفقده لأنه يتعلق بالإنصاف، وهو في هذا الزمان عملة تكاد تفقد، لغلبة الجهل وحب الرياسة والتنافس، فهم لا يأتون إلى المحتمل ليحملوه على حسن الظن، بل يأتون للحق فيحملون نوايا صاحبه على باطل القلب وإرادته، توجهًا إلى إسقاط الناس والتفرد في الوجود، ولا أظنك تجهل ما يكتبه الناس عن بعضهم البعض، ولا ما يكتبونه عن العلماء، ولا العاملين لدين الله، فأغلبه حديث عن النوايا حين تعجز الألفاظ عن اسعاف سوء تأويلهم، فنحن بحاجة لهذا الكتاب ليعلمنا الإعذار للكبار، ويعلمنا أن من كثرت حسناته وجرد حياته لنصرة الدين وإقامة الحق لا يتصور منه الا الخطأ الذي لا يقصده، فإن قصده كان مما يعفى عنه لغلبة الحسنات على السيئات، لا أن يرمى بأكبر النقائص والتكفير لكلمات محتملة لا تعرف من اعتقاده ولا من خلقه وحياته!

فمدارج السالكين إمام الكتب في هذا الباب، ورميه يعني فراغ ساحات طالب العلم من تعلم هدا الباب أو الاحتجاج به عندما نرى السوقة من البشر يسبون الكبار ولا يعذرونهم، والشيخ المذكور، أي الذي دعا لعدم قراءته هو محتاج لهذا الكتاب للرد على من ظلمه وسبه واتهمه بقوارع الكلمات والتهم، وهو ولا شك سيذكره يوما في حديثه محتجا به للرد على من يزعم محبة ابن القيم، وانه على منهجه، وهو مع ذلك لا يعذر اخاه، بل يحمل كلامه على شر الكلام وأفسد المقاصد، فسيقول يوما: انظر الى ابن القيم وإنصافه في التعامل مع العلماء والناس.

فهذا الكتاب صار نبراسًا في هذا الباب، وكأنه حية الوادي التي لا يذكر غيرها إن ذكر تأويل كلام العلماء واعذارهم، فرحم الله ابن القيم، هذا مع أن هذا الكتاب ربما هو من أواخر كتب الشيخ، بل هو من أواخرها، وبه وضع الشيخ خلاصة علمه في قضايا القلب وإرادة النفوس وترويضها، وفيه خلاصة ما سمعه من شيخه، وخلاصة ما جناه في رحلته العظيمة مع الذكر والتربية والسلوك؛ فهل يترك كل هذا لأن أصل وضعه كان قائما على كتاب لا يحمد عندنا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت