فهذا المعنى اللغوي يدل على المعنى الذي يريده أصحابه من المنهج؛ ذلك لأنهم يريدون منها طرق البحث في العلم والنظر، وطرق معرفة الصواب من الخطأ، وطرق الاستدلال والاستنباط؛ ذلك لأن كل علم مطلوب منهجه الخاص به.
فالناس همهم الأكبر تمييز الصواب من الخطأ، وعلومهم تبدأ من بداهة العقل والفطرة المجمع عليها، إلى الاستنباط والاستقراء، إلى التسليم بالأخبار المتواترة المقطوع بصحتها؛ فهذه هي مصادر العلوم اليقينية المجمع عليها، ولا يخالف فيها إلا أهل الجهالة والسفسطة.
فهذه المصادر للعلوم يحتاج المرء فيها إلى طريق سويّ لمعرفة الفروع الصائبة فيها، وهذه الطرق هي مناهج البحث والنظر في كل ذلك؛ فالمنهج إذًا طريقة البحث الذي يؤدي إلى الصور العلمية والعملية من مصدره المؤدي إليه.
فحين تقول (المنهج) فإنك توجب على السامع أن يذهب إلى قواعد الفهم والتبني، لا إلى الفروع المتبنَّاة، وإن كانت الفروع في منهج النظر حين تتكاثر تؤدي إلى فهم الأصول والقواعد عند صاحبها حتى لو لم يصرّح بها؛ فمنهج الأحناف في الأصول عُلمت قواعده من خلال تكاثر الفروع على جهة واحدة في الاستنباط والتبني.
ابن حزم الأندلسي له منهج في البحث عن الحقائق العملية التكليفية، وقد تلتقي هذه الفروع مع غيره ممن يخالفه النهج المسلوك، لكن هذا الاتفاق في الفروع لا يعني اتحاد المنهج بينهما.
واتفاق ابن حزم في منهج علمي ما -كالقول بالأصل الشرعي الكلي الأول وهو الكتاب- لا يعني اتفاقه مع فروع عالم آخر قال بهذا الأصل مثله.
العلوم الوجودية مختلفة في موضوع بحثها؛ فهناك العلوم العقلية، وهناك العلوم الطبيعية، وهناك علوم الخبر، وهناك علوم الاستقراء، وهناك علوم الاستنباط؛ فهذه لاختلاف مادة البحث فيها يقع الاختلاف في مناهجها الموصِلة لحقائق هذه العلوم.
فالخبر يُنظر إليه من جهتين: جهة الثبوت، وجهة الدلالة، ولكل نوع من هذين منهجه الخاص به.
حتى الثبوت؛ فإنه يفترق من حيث نوع المادة التي يسعى الباحث لمعرفة صحّتها؛ فطرق الإثبات للأخبار في الوجود ليست نوعًا واحدًا؛ فالكتاب يثبُت بغير ما يثبت به الحديث في أبواب، وهكذا.
ولا شك أن منهج إثبات قضية طبيعية يختلف عن إثبات قضية عقلية.