الجروح وآلامها، وبدأت العواطف تخبو، فشرعت النفوس تهتم بنقد الذات بل جلدها، فهذه مواجهة جديدة لا ينفع معها الهبات السريعة، ولا يقوم لها بادي الرأي، بل تحتاج إلى فكر ونظر ومتابعة، فهو استقرار لمعركة طويلة يجب مراعاة ظرفها وأحوالها.
الآن حقا «حمي الوطيس فإن تلك النفوس الصغيرة التي لا تصبر على الآلام عندما تطول، ولا تعرف معالجة الأزمات والتعايش معها لبلوغ النهايات، ولا تقدر على الالتقاء مع الآخر تحت وطأة الألم والمخالفة، ولا تستطيع الاحتفاظ بالعقل وقوة النظر في نار الفتنة وأتونها قد سقطت وانزاحت عن الطريق بل انكشحت بإذن الله تعالى، ولم يبق كما يقول أهلنا في المغرب الإسلامي «ما بقي في الوادي إلا حجارة» .
«الآن حمي الوطيس» ؛ لأن مرحلة الهبات الفجائية قد ذهبت وذهب من يأتي من خلالها ضعيف النظر والفهم، ظانا أنها مجرد غارة قصيرة ثم يؤوب بالنصر والتمكين، وبقي الرجل المكين الصبور الذي يربط على قلبه وقدميه، ثابت الجنان قوي الشكيمة ممتلئ اليقين على وعد الله تعالى.
«الآن حمي الوطيس» وقد كشف الجهادُ الناسَ ومنازلهم، والمذاهب والمناهج، وبان حقا السني الذي يستحق الوراثة حتى لو تأخرت، والضال والغالي الذي يستحق الذهاب والزوال.
«الآن حمي الوطيس» ولم تعد الكثرة ممزوجة باختلاط السفهاء وأهل البدع والصغار، بل ليتحقق النصر على قاعدة الحق أمام الباطل حتى مع قلة الحق وأهله.
«الآن حمي الوطيس» لأن موجات الفتن الداخلية قد ذهبت قوتها وامتدادها، وجرفت معها قاذورات الشر والانحراف والضلال، كما جرفت معها من ذهب لحسد رجل قدمه الجهاد لعِلْم الله ما في قلبه من الخير الملائم لهذه المرحلة، أو بسبب ضلال عقل في عدم تقييم الغلط، فعظم الصغير منها فوالى عليها، فهجر من هجر ظانا أنه يعمل هذا لمصلحة الدين والجهاد، فذهب يصرخ في وديان الجهالة «هلك الناس» .
«الآن حمي الوطيس» فذهب بادي الرأي إلى تمحيصه، وذهبت هبات النفوس إلى تمكينها.