فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 634

من المفترض ألا يكون خطاب الظواهري مفاجئا لحركة حماس التي تقول أنها لم تعترض على الخطاب إلا بسبب صيغته التهجمية والتخوينية التي تتهمها ببيع فلسطين والتفريط بها في وقت هي أحوج ما يكون إلى النصرة والمؤازرة. وحقيقة فالكثير من هذا الطرف أو ذاك عبر عن غضبه أو عتبه على صاحب الخطاب ومضمونه. فهو يأتي في وقت تتعرض فيه حماس والشعب الفلسطيني لحصار ظالم غير مسبوق في تاريخ الكفاح العالمي. فإذا بالطعنة تأتي من الخلف فيصدق المثل على الظواهري والقاعدة"وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند".

والواقع أن الخطاب سبقته عدة تحذيرات وتنبيهات ونصائح لم تلق آذانا صاغية من قيادة حماس. وتلك هي الطامة الكبرى في عقليتها. فالظواهري لم يأت أصلا بجديد لولا أن المس بقيادة الحركة جاء من جماعة تسود العالم الإسلامي وتشغل بال الرأي العام في العالم أجمع وهي تصول وتجول في الولايات المتحدة والعراق وأفغانستان وأوروبا وبعض الدول العربية وغيرها من ساحات المواجهة المباشرة متحدية أعتى القوى العالمية ومفضلة المطاردة وحياة الكهوف والجحور، كما يقول بعض أنصار حماس، وتعاني من شظف العيش والخوف ونقص في الأموال والأنفس والثمرات. مثل هذه التوصيفات التي تعج بها المنتديات الجهادية يجعل من القاعدة جماعة ذات قيادة مستأمنة على مصالح الأمة برمتها بنظر الكثير من الناس ناهيك عن أعضائها وأنصارها ومحبيها. فمثل هذه الحياة القاسية يصعب النيل من أصحابها بكيل الاتهامات والشتائم لها. ويصعب مواجهتها بعصبية تنظيمية.

فمنذ أن قررت حماس دخول الحلبة السياسية عبر الانتخابات البلدية والمجلس التشريعي قيل لها أنها تدخل في مأزق وعلى أساس مؤسسات واتفاقات أوسلو وأنها بقرارها هذا ستمنح الشرعية لاتفاق سبق وتبرأت منه وحاربته بضراوة وأعلنت أن الدخول في أتونه باطل شرعا بحجة أن ما بني على باطل فهو باطل، وأنها ستتسبب بمشكلة فلسطينية لا يتمناها أحد، مثلما ستتسبب بخسارة في شعبيتها وهيبتها وعظم تاريخها وجهادها فما كان منها إلا مزيد من العزم والتبرير على"المشاركة في كل شي"! فقالوا لها دعي فتح تتحمل وزر أفعالها واستمري في المقاومة ولا تدخلي يا حماس مستنقعا قذرا لا يتلاءم وسمعتك؟ فكان الرد مزيدا من الإصرار على التحدي حتى لو جرت الانتخابات بدون القدس. ثم قالوا لها أنت وقعت في فخ الدعوة الأمريكية القاضية باستيعاب ما يسمى بـ"الإسلام المعتدل"، فكان الصمم يضرب الآذان. فحذروها من أنها ستتسبب بحرج حتى لمحبيها من العلمانيين والوطنيين والمستقلين ممن لا ينتمون لأي تنظيم والذين سيضطرون للدفاع عنها برغم الخطأ، فلم يسمع أحد من هؤلاء حمدا ولا شكورا. قالوا لها أن اللعب في الحلبة السياسية يعني أنك ستضطرين لاستعمال أدوات سياسية وبالتالي ستنجرين من حيث لا تدرين إلى أتون جذاب وقذر في الوقت نفسه مما يجردك حق الزعم بكونك جماعة إسلامية، فلن تستطيعي استعمال الأدوات الإسلامية في حلبة علمانية دولية متصهينة ولن يكون أمامك إلا اللعب بخيارات الخصم وطروحاته؟ ولكنك أسمعت لو ناديت حيا. فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة الأقسى، بحسابات السياسة ومصطلحاتها، كانت في انقلاب الموازين رأسا على عقب فيما يتعلق في الصراع العربي الإسرائيلي، فقد تغولت اللجنة الرباعية الدولية مطالبة حماس بشروط لا يمكن أن تحلم بها إسرائيل ولا غيرها. وبات المطلوب من حماس وليس من إسرائيل الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والقبول بالاتفاقات الدولية الموقعة مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت