والأطرف من ذلك تلك الشكاوى التي تتصل بغياب العلم الشرعي سواء لدى أفراد الحركة أو لدى أفراد القسام مع تبرير هذا الغياب للعسكرين. ولأن الحركة تتوجه نحو السياسة أكثر من المواجهة، منذ ما قبل الانتخابات التشريعية بقليل، فقد غدا القلق سيد المرحلة والتيه هو المعطى الأكثر بروزا. وفي رد طويل له عن تجربته في حركة حماس يروي أحد الكوادر الذين هجروا الحركة بعد خمس سنوات من العمل معها قائلا:"أنا الآن أجلس في بيتي ومسجدي حتى يأتي لنا رجل يقودنا لرفع راية التوحيد فوق أرض فلسطين وفوق المسجد الأقصى الحبيب".
هذه الحقيقة لا تواجهها حماس وحدها بل كافة التشكيلات الفلسطينية. ولكنها نذير لحماس إن لم تتدارك الأمر، ولا تنفع المكابرة، في مثل هذه الوضعية، ولا تجاهل الحراك الساخط في قواعد الجماعة وتشكيلاتها المختلفة وهي ترى الحركة تسير في واد وقواعدها في واد آخر، كما لا ينفع مواجهة مكامن الخلل بالهروب إلى الأمام عبر التحذير من فكر القاعدة و"توجيه بعض الجهد الأمني في ملاحقة من يحمل فكر القاعدة بحجة أنه قد يكون عميلا"ينبغي الإبلاغ عنه! مثلما يذكر ذات الكادر أعلاه.
2)... أضحت القاعدة رقما صعبا في المعادلة الفلسطينية. فالسلفية الجهادية تقدم الظواهري بوصفه المؤسس للجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والنصارى، وبوصفه عالما يتخذ من العقيدة منهجا يوجه اختياراته ومواقفه السياسية وغير السياسية، وبوصفه مجاهدا كبيرا في هذه الأمة إن لم يكن أحد أعظم مجاهديها، وبوصفه أحد قادة الجهاد العالمي، وبوصفه حامل الراية ضد قوى الظلم والعدوان في العالم، وبوصفه صاحب التضحيات بالنفس والمال والأهل والولد، وبوصفه رجل الكهوف والجبال والجحور والمشقة والمطاردة والجوع والعطش، وبوصفه واحدا ممن باع الدنيا وما فيها واشترى عقيدته، وبوصفه الصابر المحتسب الذي يخاطر بحياته وأمنه من أجل أن يوصل كلمته إلى الأمة ويبقى على تماس معها ... . وفي الحقيقة ثمة توصيفات كثيرة تقدمها السلفية الجهادية للرجل، زيادة على ما ذكر، بحيث تتيح له ما لا تتيح لغيره من باب الحرص والغيرة، كما يقول لويس عطية الله كبير منظري كتاب السلفية الجهادية، وليس من باب الاستعلاء كما ورد في ردود بعض أنصار حماس.
وإذا كانت الساحة الفلسطينية متوترة وتائهة وبائسة وملطشة للغارات الإسرائيلية ولعمليات القتل والاغتيال والتدمير والتضييق والإذلال والحصار والتجويع وغياب أي أفق واستحقار للفلسطيني في العالم أجمع ابتداء من العرب وانتهاء بأضعف الأمم بحيث لم يعد ينتصر لهم كريم ولا يستسيغهم وضيع، فلماذا لا يستمع الفلسطينيون للظواهري وبن لادن وبالأمس القريب فقط تلاعب العرب بعائلة فلسطينية في الأجواء كما يتلاعبون بكرة قدم وكأن الفلسطيني بات وباء مستباح الركل والقتل والتحقير دون سبب يذكر، وكما لو أنه لم يولد بين بني البشر؟
يعقب أحد القادة الفلسطينين في حركة فتح على وضع الحركة السيئ مشيرا إلى أن كوادر وأعضاء فتح القدامى انزوى أغلبهم منذ وفاة عرفات في بيوتهم واتجهوا نحو التدين، وليس هؤلاء الذين يقودون الفلتان الأمني إلا الجيل الذي نبت مع تشكيل السلطة. ومثل هذا الأمر ينطبق على الكثير من الفلسطينيين ممن لا يروقهم الركون والسكينة وهم من قضى عمره في الكفاح وها هم الآن يهمشون ويستبعدون من أية فاعلية تليق بتضحياتهم وما لديهم من خبرات على مر السنين، وكل ما في الأمر أنهم ينتظرون فعلا قيادة ما تبرز لتتجه بهم الوجهة التي يستحقونها. ولا شك أن القاعدة تعلم بهذا الوضع وتتحفز لتغطية الفراغ خاصة وأن إسرائيل قامت في واقع الأمر بعملية تنظيف شبه كاملة للرموز