الفلسطينية فقتلت القادة الميدانيين والرموز السياسية من كل التنظيمات وأثبتت بحق أنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني الآن بلا قيادة وبلا رموز تاريخية، وبما أن الحال هكذا يمكننا أن نفهم معنى الشكوى من غياب العلم الشرعي المستند إلى التوحيد الخالص. بمعنى أن الفلسطينيين غدوا كما لو أنهم يسعون إلى تأهيل قيادة جديدة لهم، ولكن ليست علمانية ولا إسلامية وطنية بل ربما سلفية جهادية هذه المرة وتلك هي ساحة القاعدة، وهو ما يجعل منها رقما صعبا في المعادلة الفلسطينية.
والثابت أن الفكر السلفي الجهادي لم يعد حكرا على تنظيم القاعدة أو غيره، وحتى الظواهري نفسه لم يدع حماس ولا غير حماس إلى الانضمام للقاعدة أو القتال تحت لوائها بقدر ما دعا، في خطاب سابق، عموم التشكيلات الفلسطينية الإسلامية والوطنية إلى القتال تحت راية العقيدة، القتال كمسلمين وليس القتال كأحزاب كي لا يضيع جهادهم هباء منثورا فيما لو قاتلوا تحت راية العصبية التنظيمية أو الحزبية. وبالتالي سيكون من الصعب على حماس وحتى القوى الفلسطينية الأخرى قبول فكرة أن الظواهري يتدخل في الشأن الفلسطيني محاولا جذب عناصر التنظيمات الفلسطينية المسلحة بما فيها حماس إلى حظيرة القاعدة. وسيكون صعبا لأن رسائل الظواهري المتكررة وضعت عموم الفلسطينيين أمام مفاصلة شرعية حادة وليس مفاصلة تنظيمية ولا حزبية: إما أن تقتلوا في سبيل الله فتنجون، أو تقتلوا في سبيل ما قاتلتهم إليه فتهلكون.
3)... ثبَّت خطاب الظواهري ما يمكن تسميته بالخطوط الحمر أمام أية جماعة فلسطينية. ففي حين زعمت الكثير من ردود أنصار حماس بأن خطاب الظواهري قدم"هدية مجانية لإسرائيل"ضد حماس ما كانت لتحلم بها في هذا الوقت، فإن حقيقة الأمر هي العكس تماما. فقد وضع خطا أحمر أمام أكبر جماعة فلسطينية مسلحة محذرا إياها من خطر الانزلاق وإلا ستصبح بائعة لفلسطين .. مستسلمة .. حفيدة للسادات .. وربيبة لما أسماه بالطواغيت ولإسرائيل وأمريكا. ولأن الخطاب هز حماس في أعماقها فقد جاءت ردود فعلها غاضبة جدا.
ومع ذلك فالخطاب وضع إسرائيل وأمريكا والغرب والعرب في موقف بالغ الحرج بالنظر إلى خطط احتواء حماس. فالحركة أوذيت وحوصرت وأهينت وظلمت وقهرت لا لذنب ارتكبته إلا لأنها بحثت عن تقديم خدمات أفضل للشعب الفلسطيني، ولم تكن هي البادئة في الأذى وليست هي من أشاع الفلتان الأمني أو مارس القتل والاغتيال، ومع ذلك نالت ما لم تنله أية حركة فلسطينية في تاريخها، وأجبرت على تقديم تنازلات في حقها بالفوز وتشكيل حكومة ذات أغلبية، وأُدخلت في مستنقع السياسة والابتزاز، والآن جاء لها الظواهري، فوق كل هذا الضغط، ليقول للأمة الإسلامية:"عظم الله أجرك في حماس"! فقد باعت فلسطين وتخلت عن الحاكمية وسارت في قطار السادات والذل والاستذلال و و و ... إلخ
وللإنصاف نتساءل: أليس الغرب والعرب هم من أوصلوها إلى هذا الدرك الأسفل من النضال؟ فكيف سيشمتون بها إذا كان الظواهري عدوهم اللدود يتربص بها؟ وكيف سيخدم خطاب الظواهري إسرائيل وهي التي ترتعد فرائصها مما لو نجحت السلفية الجهادية في استيطان العقل الفلسطيني؟
من الأولى القول أن خطاب الظواهري وضع الجميع في سلة الحرج وليس حماس وحدها التي قسى عليها لعظم ما تتحمله من مسؤولية وليس لأنها تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. فإذا ما واصل الغرب ضغوطه فستتجه حماس وكل