التشكيلات الفلسطينية إلى خوض مفاصلة استراتيجية يجري بموجبها تقييم كل حركة النضال الفلسطيني على مدار الصراع. والثابت أن الفلسطينيين حتى الآن خسروا ولم يحققوا شيئ فما العيب من إعادة النظر في أفكارهم وأدواتهم وخطابهم السياسي والذي قد يؤدي إلى تكسير كل البيض في السلة؟ ما العيب في مراجعة خط سياسي انتهى بالمحصلة إلى تثمين القضية الفلسطينية برمتها بما لا يوازي حتى رغيف خبز؟ أي ابتزاز منحط هذا الذي لم تشهده أمة على وجه الأرض يفرض عليها أن تخوض صراعا على كافة الجبهات وفي العالم أجمع من أجل أن تحظى برغيف خبز لا يكون بديلا عن الوطن أو ثمنا له بما يحتويه ويكنزه من عقيدة وحضارة وتاريخ وجهاد؟
إذن من الواضح، وبعيدا عن العصبية ولحظة الصدمة، فلم يكن الحطاب ولن يكون في يوم ما في صالح إسرائيل لا آنيا ولا مستقبلا. ولقطع الطريق على مفاصلة فلسطينية بهذا الحجم فقد يضطر الغرب، مرغما، إلى مهادنة حماس وحتى استرضائها إن لم يكن دعمها وتطييب خواطرها وإلا فالنتيجة ستكون وبالا عليهم. وبهذا الاحتمال يكون خطاب الظواهري قد خدم حماس في الصميم ولم يخذلها. وعلى العكس، فقد قدم الظواهري لها طوق النجاة والقوة، إذ يمكن لحماس أن تحتج الآن بضغوط الشارع والقوى الإسلامية العالمية، وأن عليها أن تعيد حساباتها وتوازن ما بين الأمور كي لا يحدث الانفجار فيما تستمر هي في إصلاح الوضع الداخلي وتعديل مسار البوصلة المنحرفة بالانسحاب التدريجي من العملية السياسية والتخلص من الضغوط ومن أتون السياسة الشيطانية التي لا تستطيع تحملها. فمن الذي حظي بالهدية؟ إسرائيل؟ أم حماس؟ ألم يقرّ الرئيس الفلسطيني السابق بأن الكفاح المسلح كان أهون عليه ألف مرة من الدخول في مفاوضات مع إسرائيل؟
من جهة ثانية أسس خطاب الظواهري لشرعية عقدية في الصراع مع اليهود. فهو لن يضيره أن يحجب الشرعية عن أعتى الجماعات الفلسطينية إذا ما استدرجت أو انزلقت نحو التنازل أو المساس بعقدية القضية الفلسطينية ولا عذر ولا حجة بماض أو تاريخ أو جهاد إذا ما أُخضعت الجماعة ونهجها وسياساتها إلى مجهر الشريعة وليس مجهر القاعدة ولا مجهر الحصاد المر. هذا الشرط كانت فتح قد تحدثت عنه ولم تلتزم به، وتحدثت عنه حماس ولم تلتزم به، ويمكن أن تأتي أية جماعة تتحدث عنه دون أن تلتزم به. أما الآن فلم يعد ممكنا لأية جماعة سياسية فلسطينية أو غير فلسطينية أن تتجاهله أو تتلاعب به. فهو صمام أمان القضية الفلسطينية وهو بذات الوقت طوق النجاة من الضغوط لأية جماعة سياسية حتى لو كانت غير إسلامية إن هي أرادت. لذا فإن تفعيل هذا الشرط سيعني الوقوف بالمرصاد لأي تلاعب محتمل بالقضية الفلسطينية من أية جهة كانت.
ولعل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس هو أكثر من فهم لعبة الظواهري السياسية في الخطاب حين وجه صفعة قوية للغرب، وهو من تعرض وحركته للنقد الشديد، معلنا أمام الصحفيين في صنعاء:"باعتقادي الشخصي ليس من المروءة أن انتقد رجلا تلاحقه الإدارة الأمريكية". وهو تصريح لعله ينطوي على شجاعة ومسؤولية وتفهُّم في الصميم لخطاب الظواهري الذي، بحسب التصريح، إن لم يكن صديقا فهو بالتأكيد لن يكون عدوا لحماس ولا معينا عليها من الأعداء حتى وإن قسا عليها. وعلى كل حال فالأمر الذي بات على حماس أن تدركه جيدا هو أنها تقع الآن بين لحظتين حاسمتين، فإما أن تواصل المضي قدما في الخط السياسي الراهن مع ما ينطوي عليه من أخطار تهدد تماسك الحركة وهو ما لا يتمناه أحد لها على الإطلاق سوى أعدائها وأعداء الأمة وإما أن تتجه لتعود إلى