بينما تكتفي حماس، في المقابل، بخطاب سياسي وسط تراجع في نشاطها المسلح ضد إسرائيل وغموض في مواقفها السياسية تجاه الاعتراف بإسرائيل أو مهادنتها، الأمر الذي يضعها في مأزق أمام الخطاب السلفي خاصة وأن الفعل السياسي لها لم يؤت ثماره فضلا عن أنها في اضعف مراحل حياتها السياسية. فما الذي تستطيع حماس أن تفعله وقصرت به وهي التي ما تركت بابا إلا وطرقته في سبيل تسوية المشكلة مع السلطة التي ترفض محاورتها بتحريض أمريكي وإسرائيلي وحتى عربي؟
من حق حماس أن تناضل لفك الحصار دون أن تقدم أية تنازلات جوهرية تصب في المحصلة في سلة إسرائيل، لكن واقع الأمر أن المتضرر الوحيد من الحصار هي (1) الرصيد الشعبي لحماس داخل فلسطين وخارجها و (2) سكان غزة الذين يدفعون ثمنا باهظا وهم يتلقون تداعيات الحصار اجتماعيا واقتصاديا وصحيا بينما تواصل فتح وحماس الضخ المالي في جيوب أعضائهما مما يعني أن الحصار قد يستغرق المزيد من الوقت فيما يشبه لعبة عض الأصابع بين الطرفين على حساب السكان، و (3) بعض شرائح العسكريين الذين باتوا في حيرة من أمرهم، فلا هم قادرون على مقاتلة عدوهم كما يأملون ولا هم قادرون على تحمل حصارات أسبابها سياسية وتتنظيمية حولت جهادهم إلى رهينة بيد القادة السياسيين والظروف الدولية والإقليمية وغدوا أشبه بحرس حدود.
لكن إذا كان مبرَّرا لدى الناس، وهم يتعلقون بأسباب الرزق والحياة، حالة حركة فتح وقدرتها على تأمين احتياجات عناصرها في غزة إلا أن مثل هذه الأوضاع من شأنها تحميل حماس مسؤولية الحصار والوقوع في المزيد من الحرج، كلما بدت فتح خارج السلطة على غزة وحماس وفية، هي الأخرى، لعناصرها لكنها عاجزة عن تأمين الخدمات لمجتمع كان أول من أسقط سايكس بيكو ومع ذلك يحاصره الجميع بلا رحمة.
ولعل أكثر ما يحرج حماس أمام الشارع الفلسطيني وأمام أعضائها ولوغها المتزايد في ثقافة سايكس بيكو دون أن تلتفت إلى الخلف ولو قليلا، فهي لم تعد معنية بالعودة إلى الحكم الشرعي فيما يتصل بكافة القضايا السياسية وهذا ليس له علاقة في الاجتهاد بقدر ما هو اختيار ذاتي ووقوع في شرك المصالح التي تستدعيها الظروف في أحسن الأحوال، وربما يكون جهلا في الدين أو تجاهلا تاما له، ولأنها تبدو كذلك فلم يعد غريبا عليها أن تعزي ببابا الفاتيكان وبجورج حبش و"تسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته"أو بعماد مغنية أو محمد باقر الحكيم وتنفي نعيها للزرقاوي أو أبي الليث الليبي وتتجاهل الشيشان اتساقا مع المصالح وخشية من تعرضها للنقد أو توصيفها كمنظمة إرهابية. ولا شك أن الملف الشرعي، عند السلفية، بات ثقيل الوزن فضلا عن أن مثل هذه الاختيارات حولت حماس، بامتياز، إلى حزب علماني صرف.
والثابت أن حماس لم تفلت من أي خطاب لرموز السلفية وقادة الجهاد العالمي، إلا أن خطاب البغدادي الذي بدا كما لو أنه آخر النصائح الشرعية له وقع آخر. فالرجل ليس معروفا ولا هي شخصيته موضع ثلب كالظواهري الذي