إن جماعة الإخوان المسلمين وفروعها القطرية تقرأ الدعوة الأمريكية للحوار في سياق هجمة حضارية على المنطقة تستهدف الدولة والمجتمع والثقافة والعقيدة وحتى نمط الحياة، وبالتالي فهي ترى نفسها بين فكي كماشة:
-فمن جهة، فإن الإجابة بنعم تعني الانخراط في المشروع الأمريكي ودفع استحقاقاته والتي أقلها على الإطلاق حل التنظيم الدولي للجماعة والاعتراف بإسرائيل. وحينها لن يتبق للجماعة من رصيد إلا الاسم هذا إن بقي على حاله. ومع ذلك نجد الغالبية الساحقة منها، إن لم تكن كلها، قد رحبت بالحوار المنتظر وإن كان متبوعا بشروط تعتبرها أسسا لنجاحه.
-ومن الجهة الأخرى فإن الإجابة بلا سيعني فتح مواجهة مع الولايات المتحدة هي بغنى عنها ضمن الظروف الدولية القائمة فضلا عن خسارتها لفرصة تبدو بكل المقاييس متاحة بحسب رؤية حركة السلم والمجتمع الجزائرية.
وفي واقع الأمر فقد شرعت بعض جماعات الإخوان في حوارات سرية أو مفتوحة مع وفود أوروبية رسمية أو غير رسمية ممن هم في دائرة القرار الأمريكي بشكل أو بآخر إلا أنهم مناصرون لإجراء الحوار، وفي السياق يلاحظ تغيرات فعلية في الموقف الأمريكي الأكاديمي، فمفكر مثل فرانسيس فوكوياما صاحب"نهاية التاريخ والإنسان الأخير"والأهم منه مقالة"هدفهم العالم المعاصر" [1] التي اعتبر فيها الإسلام، ممثلا بما أسماه الأصولية الإسلامية وليس جماعة معينة، عدوا للولايات المتحدة الأمريكية بات ينفي الآن الحديث عن كون الإسلام"عدو وجودي"لأمريكا.
المحور الثاني: مدركات الشارع الفلسطيني لما يجري
في الأثناء تبدو الظروف على الساحة الفلسطينية متاحة هي الأخرى لحوار محتمل لاسيما بعد أن قامت إسرائيل بإزاحة الرموز التاريخية والشرعية للراديكالية الفلسطينية من الساحة السياسية وتهيئتها لقيادات أبعد ما تكون عن الرغبة في المواجهة ناهيك عن الاعتقاد بها وتبرئها من حمل السلاح. وثمة أكثر من مؤشر على التفاعل مع المستجدات، فإذا ما حيدنا السلطة الفلسطينية الراغبة في العودة إلى التفاوض وتحقيق تفاهمات مع إسرائيل حتى ضمن موازين القوى القائمة فإن مواقف حركة حماس الأيديولوجية باتت تتآكل كلما اشتدت عليها الضغوط والهجمة الأمريكية وكلما تكشفت جولات الحوار السرية والعلنية التي تجريها الحركة منذ زمن مع الولايات المتحدة وأوروبا دون أن تُفهَم مرامي الحوار والغاية المأمولة منه، هل هو بهدف التفاهم على تفكيك دولة إسرائيل؟ أم هو بهدف الخوض في العملية السياسية وتأجيل الأهداف الاستراتيجية وبالتالي التحفظ على المنطلقات الأيديولوجية أم التخلص منها؟
(1) فرانسيس فوكوياما،"هدفهم العالم المعاصر"، مجلة"نيوزويك"في طبعتها العربية، عدد 81، 25 ديسمبر 2001.