هذه. فأنْ تأتي الدول الاستعمارية إلى بلدان عربية ذات محتوى إسلامي وتفككها إسلاميا ثم عربيا فهذا يعني أنها ستعمل على جبهتين: الأولى، هي القضاء التام على الإرث الإسلامي وتوزيعه بين الورثة الجدد من الدول المستحدثة. أما الثانية فهي تثبيت الدولة المستحدثة عبر توجيه حركات الاحتجاج والمقاومة لتلعب دور الحركات الوطنية بحيث تكون مهمتها رفع رايات الاستقلال والحرية والعلم والحكومة الوطنية. وبهذه الآلية سيدافع العرب ليس عن إمبراطوريتهم الإسلامية ولا عن وحدتهم العربية ولا عن هويتهم كمسلمين عربا بقدر ما سيستشهدون دفاعا عن الحرية والاستقلال. وها نحن نعيش في دول مستقلة ممزقة بائسة سياسيا واقتصاديا وعلميا بل وحضاريا، فهل يمكن لأحد أن يتحدث بعد انقضاء قرن على التفكك عن وحدة عربية؟
الطريف في الدولة المستقلة ذات السيادة والمنفصلة عن محيطها انفصالا تاما بدت مع مرور الزمن كما لو أنها أمة قائمة بذاتها بقطع النظر عن تاريخها أو عن صغرها أو كبرها ديمغرافيا وجغرافيا، فهي دولة تستمد شرعيتها من مدافن التاريخ القديم وحطام شواهده إن وجدت وتتنكر لتاريخها الإسلامي، بل أنها تصطنع لها تاريخا هو أقرب إلى شهادة الزور منه إلى أية حقيقة تاريخية. وإذا قسنا خطابها السياسي فهي دولة علمانية السياسات والمؤسسات والبناء، والعجيب أنها تتجاهل كل رصيد معرفي توفره الحضارة الإسلامية وتتمسك بخطاب علماني وتقارع خصومها من الغرب بمقتضى مفهوم هو أصيل نمط الحياة الغربي وصراعاته التاريخية مع الكنيسة! ولا علاقة لها به إلا من باب التبعية والتقليد عملا بمقولة العلامة العربي ابن خلدون"المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب". وبالتالي فلا معنى للحديث الممجوج منذ عقود طويلة عن القدرات العربية والثروات البشرية والاقتصادية أو أي مخزون حضاري، حتى لو كان الإسلام وعاءه، بما أن لكل منا، كعرب، تاريخه ودولته وحدوده وبرلمانه وعلمه وحاكمه وشعبه. فهل كانت فكرة القومية أو الثورة أفضل حالا؟ لنر.
ثانيا: القومية العربية
تبع التفكك وظهور الدول المستقلة واغتصاب فلسطين انهيارا في بعض أنظمة الحكم العربية واستقلالا لدول أخرى. وبدا الدفاع عن الأيديولوجيات ذات النزعة الوطنية أو القطرية راسخا في دول ومهتزا في دول أخرى، ولكن على مستوى النخبة من الطلبة والمثقفين والمعارضين للوضع الجديد كانت الأمور تسير باتجاه معاكس باحثة عن آلية ما لوحدة الوطن العربي تجلت أدواتها الأيديولوجية تارة بالقومية العربية وتارة بالوحدة الأممية عبر الأفكار اليسارية القادمة من الشرق، وفي كلتي الحالتين ثمة من دافع عن النظرية الليبيرالية وآخر دافع عن النظرية الماركسية أو المعدلة بالصيغة العربية وهي تستحدث مفهوم الاشتراكية على مقاسها. وكان اللافت للنظر أن تستوطن بعض المفاهيم الماركسية لب الأيديولوجية القومية العربية، مبكرا، إلى درجة التحالف الآثم، فماذا كانت النتيجة؟
فشلت القطرية ووصلت الدولة الوطنية إلى طريق مسدود، كما أن الماركسية انهارت أقوى حصونها غير مأسوف عليها وكذا القومية العربية. ولو سألنا أي فلسطيني الآن سؤالا بسيطا: هل تنتظر دعما من العرب؟ لكان الجواب بالنفي القاطع. فلا الفلسطيني ينتظر دعما ولا العربي بقادر على تقديم أي دعم كان. أما لو تحدثنا عن مظاهر الفشل للقومية لعددنا العشرات منها فلنكتف بذكر بعضها: