فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 634

وحتى لو كانت القاعدة تمتلك حقائب نووية ورغبت في ممارسة الردع لأمكنها تحقيق ذلك عبر شريط يثبت امتلاكها للسلاح النووي، فحينذاك سيكون لكل حادث حديث، لكن بث مثل هذه الأشرطة التي تحتمل أكثر من تأويل، لجهة مصداقيتها فيما إن كانت حقيقة أم اجتهاد، قد تكون من باب الحرب النفسية الشرسة وحتى الاقتصادية بما أن التكلفة الأمنية باهظة في أخبار من هذا النوع حيث يصعب الأخذ بها أو تجاهلها، فهو بحق أسلوب كاف لإثارة الخوف وإشاعة الرعب إلى حين يتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود. لكن إن ثبت مع الأيام أنه اجتهاد فردي فالسؤال حينها سيمس مصداقية الإعلام الجهادي ويبعث على الإحباط.

يبقى القول أن أغلب الذين يتحدثون عن انهيار أمريكا قلما ناقشوا الأمر، بجدية، مرة واحدة، وقلما تساءلوا عن تداعيات الانهيار إن وقع في يوم ما وهو أكيد واقع بحكم السنن، ولعل القليل منهم يدرك مضمون أمريكا نفسه فكيف لهم أن يتهيؤوا للحظة الانهيار، فالولايات المتحدة ليست الاتحاد السوفياتي الذي ورثته روسيا كدولة عظمى أصلا وذات امتداد تاريخي عريق تمكنت بسهولة من امتصاصه نوويا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وهذا مختلف كل الاختلاف عن تَكوّن أمريكا التاريخي ومضمونها، وهي ليست إسرائيل التي لا يساوي زوالها مقدار ذرة من زوال أمريكا. لذا فالذين يُمنّون النفس بضربة كيفما اتفق لا يفرقون بين ضرب أمريكا وإيجاعها وبين انهيارها أو زوالها. ولا يطرحون سؤالا واحدا عن مجتمع هجين يضم في ثنايا ولاياته شتى الأعراق والأجناس، فإذا انهارت أمريكا فكيف سيتصرف، مثلا، من يسيطرون على أساطيل الولايات المتحدة في العالم؟ وما الذي يمنعهم من التحول إلى عصابات دموية مسلحة بأعتى قوى التدمير في العالم؟ أو على الأقل من هي القوة المؤهلة عالميا لإدارة ترسانات الدمار التي تجوب العالم؟ وما هو مصيرها؟ ولمن ستؤول؟ وما هو مصير القوى الأمريكية العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية التي تستوطن في شتى بقاع الأرض؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى فهم دقيق وتصور شامل لمختلف السيناريوهات المحتملة قبل الحديث عن الانهيارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت