فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 634

أهل الذمة والمُستأمَنين والمعاهدين والمحاربين, لكن الخلط بين التقسيم العقائدي والسياسي هو الذي يسبب سوء الفهم لطبيعة موقف الدين الإسلامي من المخالفين دينيا, بل وحتى في التصنيف السياسي للدول الكافرة نجد أن هناك دار حرب ودار عهد وهذه الأخيرة لا يجوز استخدام القوة العسكرية ضدها لانها تلتزم بعقد سلام مع الدولة الإسلامية.

موقف أمير تنظيم القاعدة يتطابق مع موقف نائبه الدكتور الظواهري خاصة في شريطه عن حرب لبنان الذي أكّد فيه على أنّ التنظيم يقف في هذه الحرب مع صف المستضعفين, الذين هم الشيعة, وزاد موقفه هذا تأكيدا في حواره الأخير مع مؤسسة السحاب حينما عرض انشاء قواعد عسكرية على حدود فلسطين في جس نبض غير مباشر لحزب الله على الرغم من إدراكه للأبعاد الطائفية والسياسية التي تحرك هذا الحزب.

بالنسبة لأنصار الجهاد فيجب ألا ننسى أنهم جزء من هذه الأمة التي ما زالت لم تتخلص بعد من بعض السلوكيات البالية وطرائق التفكير العقيمة التي ورثتها من عصور التخلف والإنحطاط وبالذات تلك القابلية الشديدة للانزلاق في صراعات داخلية على اعتبار أن حسم الصراع ضد العدو الخارجي يتوقف على هزيمة العدو الداخلي بالقوة والعنف فقط, هذا رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدد موقفه من بؤر التوتر الداخلي في المدينة والمتمثلة بالقبائل اليهودية والمنافقين على أساس موقف الأخيرة من العدو الخارجي, فلم يتخذ اجراءات عسكرية ضدها الا حينما تحالفت مع العدو الخارجي ضد الدولة الإسلامية ناقضة بذلك عقد السلم الذي وقعته مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

لكن من ناحية أخرى نجد أن موقف الطائفة الإمامية الشيعية في إيران والعراق خصوصا لا يساعد على اتخاذ مواقف متسامحة معها ويجعل لأنصار الجهاد عذرا كبيرا في المواقف المتشددة التي يتخذونها منها, خاصة وأنّ تاريخها ليس مشرفا بل ويثبت نزوعها المتكرر الى التحالف مع أعداء الأمة الإسلامية على الدوام, باستثناء ثورة العشرين في العراق التي ما زال الشيعة يتفاخرون بها مضخمين من حجم الدور الذي قاموا به فيها.

بالنسبة للقادة الميدانيين لتنظيم القاعدة مثل القائد أبي مصعب الزرقاوي, فمن الخطأ تفسير مواقفهم بمعزل عن السياسة العامة لتنظيم القاعدة والتي تجعل من أمريكا تحديدا وعلى وجه الخصوص في بؤرة ومرمى النيران الجهادية, وليس حتى كامل الغرب الصليبي الامبريالي , لكنّ الظروف الميدانية في العراق من التحالف الديني والسياسي الشيعي الأمريكي وطبيعة المذهب الامامي الذي يسيطر المرجع فيه على أتباعه سيطرة دينية ونفسية تامة مُجَيّرا اياهم لتنفيذ فتاواه بشكل جماعي وقبول الشيعة القيام بدور"كاسحة الألغام"للقوات الأمريكية, كل هذا حتّم عليه أن يتصدى للطائفة الشيعية العراقية"بهدف فكّ تحالفها مع الاحتلال الامريكي بالقوة", فالأمر لا يتحمل مجاملة خاصة وانّ الشيعة قد جعلوا من أنفسهم"قذائف للمدفعية الامريكية"منذ سقوط بغداد بل وقبلها, ولقد كان الاصطدام معها أمرا حتميا ومتوقعا بسبب الاختلاف الجذري في الرؤى حول طبيعة الوجود الأمريكي العسكري في العراق, فالمسلمين السنة يرونه احتلالا عدوانيا, والامامية- في غالبيتهم الساحقة- يرونه تحريرا وبالتالي يحرصون على ابقائه والدفاع عنه بالقوة! حتى لو كان هذا المشروع يهدد وجود الامة الاسلامية في الصميم!! ومن هنا كانت التهجمات المقذعة- التي غالبا ما كانت تخلو من أي ضابط أخلاقي- التي طالت القائد ابي مصعب الزرقاوي بسبب سياسة القوة التي كان يتبناها لفك الحلف الشيعي الأمريكي وتخفيف وطأته على عرب العراق السنة وتجنيب العالم الاسلامي نتائجه التدميرية الكارثية المتمثلة في نجاح المشروع الامبراطوري الامريكي في تثبيت موطئ قدم له في العراق, كل هذه التهجمات كان ينقصها الشجاعة في الاعتراف بحجم العار الذي جلبه الشيعة الاماميون على انفسهم وحجم الكارثة التي يريدون ايقاع الامة بها بمثل هذا التحالف المخزي مع التحالف الصهيوصليبي العالمي , والا فأي أحمق هذا الذي يصدّق بأن المجاهدين قد عبروا افغانستان وايران الى كردستان وبقية العراق من أجل مقاتلة الشيعة واشعال حرب طائفية!! هذا ما تردده وسائل الاعلام الغربية ويتبعها عليه الاعلام العربي وجمع غفير من المحسوبين على اهل العلم والفكر والثقافة في العالم العربي والاسلامي, فسبحان مقسم العقول!!

ومن ناحية أخرى فإنّ المواقف المخزية تجاه رموز التيار الجهادي تمثل خضوعا كاملا للآلة الإعلامية الغربية التي تحترف"شيطنة"كل رموز الأمة الذين يقفون ضد قوى الكفر والامبريالية والغطرسة , وما نراه من الهجوم المتكرر على شخص رسول العالمين محمد صلى الله عليه وسلم يُعد أكبر دليل على مقدار الحقد الأسود من ناحية والهستيريا والجنون من ناحية أخرى الذي يسببه ظهور قادة عظام من داخل الأمة الاسلامية يتصدون ويعرقلون مشاريع استعباد ونهب شعوب العالم.

لقد آن الأوان أن ينظر أهل العلم والرأي والفكر في العالم الاسلامي الى قوى الجهاد العالمي نظرة اسلامية خالصة وواقعية كذلك تضع البديل على الطاولة حينما تنتقد الاستراتيجية السياسية والعسكرية التي تتبناها, ولا تحترف النقد الهدام الخالي من اعطاء بديل في ظل خنوع وتواطؤ الانظمة السياسية في العالم الاسلامي ضد مصالح الشعوب , وفي ظل القضاء على هيبة الجيوش وتدمير دورها الحقيقي المتمثل بحماية الأمة من العدو, وفي اعتقادي فإن مقالة الدكتور حجازي هذه - وغيرها من المقالات الناضجة التي بدات تظهر مؤخرا لبعض المثقفين والكُتّاب- تحمل كثيرا من الملامح التحليلية الموضوعية في هذا الاطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت