عقود وهي تخلف وراءها عشرات آلاف القتلى والمعوقين والدمار الشامل للمنطقة وثارات لا تندمل فلا نحسب أن مهمة المشروع الأمريكي أو الباكستاني ستكون سهلة.
من المهم أيضا ملاحظة أن طالبان الباكستانية هي تَجَمُّع لعدد من الجماعات الإسلامية العريقة المتحالفة مع شيوخ القبائل والتي لم يكن لها من مطلب سوى تطبيق الشريعة حتى قبل الحرب الأفغانية، ومن الصعب الزعم بأن مثل هذه المطالب تموت بتقادم الزمن أو بفعل برامج تنموية أثبتت أنها مخادعة أكثر منها حقيقة فضلا عن أنها أقرب إلى الرشوات السياسية المهينة. هذه الجماعات والقوى هي التي اختارت محسود ليكون زعيما لها، وبالتالي فالرجل لم يسقط بالباراشوت أو يأتي على ظهر دبابة بل جِيئ به ليكون أمينا على رأس برنامج يجري العمل على تنفيذه في المناطق الواقعة تحت سيطرته.
تضخم طالبان الباكستانية
يبدو أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة وشُحِّ مواردها الاقتصادية وفقر السكان ساهمت بظهور فئات اجتماعية منحرفة اتخذت من الجريمة بشتى أنواعها أبوابا للارتزاق، وهو ذات الوضع الذي واجهته طالبان الأفغانية في قندهار وتسبب بالتفاف الناس حولها بعد أن لجأت إلى أخذ القانون بيدها وطهرت المنطقة من شرور هؤلاء. فلم يكن لطالبان الأفغانية حتى ذلك الحين تطلعات سياسية اللهم إلا تلقي العلم الشرعي بعيدا عن الخوض في الحرب كقوة سياسية، لكن سوء الوضع الاجتماعي هو الذي دفع بطالبان، وبتشجيع باكستاني، إلى المقدمة لتولي الوضع والتقدم حتى كابول لحسم الصراعات الدموية التي اندلعت بين الفرقاء على كراسي الحكم بعد انتهاء الحرب.
والآن نكاد نلحظ ذات التجربة تتكرر في بشتون باكستان ولنفس الأسباب مع الإقرار باختلاف الظروف والدوافع والأهداف. فقد نقلت مصادر صحفية عن أحد المقربين منه بأن بيعة الله محسود:"استعاد القانون والنظام في المنطقة"، مشيرا إلى أن اللصوص وقطاع الطرق كانوا يثيرون الرعب في كثير من المناطق قبل أن يسيطر عليها محسود. ويضيف مراسل"إسلام أن لاين"عن ذات المصدر قوله:"إنه بلا شك الشخص الأكثر نفوذا في منطقتي جنوب وشمال وزيرستان، حيث تمتد دولته من شمال وزيرستان إلى كورام (مساحة تقدر بحوالي 2700 كم مربع) ". وقد بات:"قائدا لكل القبائل التي تكن تعاطفا لحركة طالبان، وكل رجال القبائل من جنوب وزيرستان إلى باجور يعملون تحت رايته، ما جعله الرجل الأقوى والأكثر نفوذا في منطقة القبائل".
لا شك أن هذا الجانب من الصورة ليس هو كل الصورة التي ما زالت تتشكل بفعل عوامل أخرى أكثر أهمية. فالحركة انتقلت في وقت قصير جدا من: (1) تأمين المنطقة وحماية السكان إلى (2) التحالف معهم ثم إلى (3) تشكيل قوة سياسية وعسكرية. وعلى شاكلة ما يجري في أفغانستان من إعلان لبعض مشايخ القبائل عن انضمامهم إلى طالبان في مقاتلة الحكومة المحلية والقوات الأجنبية ها هو زلمان شاه شيخ عشيرة كبرى في منطقة اوركزاي القبلية، ومن أشد مناوئي طالبان سابقا، يعلن تأييده للحركة:"بعد أن طهرت طالبان المناطق التي تسيطر عليها من اللصوص وقطاع الطرق وقضت على الجريمة والرشوة". والأهم في الإعلان أن صاحبه يقود عشرة آلاف مقاتل، وأنه تعهد:"بالوقوف إلى جانب طالبان في حال شن الجيش أو أي جهة هجومًا عليها". ولا شك أن مثل هذه التحالفات الاجتماعية والمسلحة من شأنها أن تضع حكومة باكستان فضلا عن حكومة الإقليم في مأزق، خاصة وأنها مرشحة للتمدد في مناطق أخرى.