الثابت أن أحدا لم ينسَ ماساة المسجد الأحمر ومئات الطلبة الذين قتلوا فيه جراء التدخل الدموي لحكومة الرئيس الباكستاني برويز مشرف. والأكيد أن المنطقة في غليان مخيف منذ ذلك الحين. وإن استطاعت الحكومة السيطرة على الأحداث فهي لم تستطع منع اغتيال بناظير بوتو، والمثير أن الباكستانيين باتوا يدركون أن طالبان خرجت من الإقليم البشتوني باتجاه عمق البلاد، وفي تقرير مقتضب لها قالت وكالة رويترز للأنباء (27/ 6/2008) أن:"أفراد طالبان لم يعودوا يقفون على أبواب بيشاور، إنما باتوا داخلها حيث يمارسون سلطتهم في أكبر مدن شمال غرب البلاد"، وعلقت الوكالة على ما تراه حدثا بأن:"تواجدهم الظاهر يشير إلى الفشل السياسي والعسكري في مقاومة موجة تشدد إسلامي قادمة من حزام البشتون القبلي على الحدود مع أفغانستان"مذكِّرة بتصريحات للرئيس الباكستاني حذر فيها من أن:"تبني نهج حركة طالبان الأفغانية يمثل أكبر تهديد تواجهه باكستان". فهل اكتملت الصورة إلى هذا الحد؟
طالبان والقاعدة
بالتأكيد لا. وبالتأكيد أيضا فالبرامج التنموية لن تفيد الأمريكيين كثيرا في محاصرة موجة تشدد خرجت من إطارها لتصيب مدينة مثل بيشاور (أكثر من مليوني نسمة) كانت في يوم ما معقل الجهاد العالمي ضد الاتحاد السوفياتي، فما الذي يمنع أن تكون كذلك مجددا ضد الأمريكيين؟ فالأهداف المعلنة منذ ظهور طالبان على مسرح الأحداث قبل سنتين على الأكثر في جوهرها دينية تتعلق بتطبيق الشريعة ومقاتلة ما تعتبرهم طالبان كفارا. وإلا فلماذا تتمدد باتجاه المدن؟ ولماذا تتحالف مع القاعدة؟ ولماذا تصر على عبور الحدود مع أفغانستان لمقاتلة الأمريكيين؟
يعود الفضل للعلاقة القوية بين طالبان والقاعدة إلى الشيخ أبي الليث الليبي أحد أبرز قادة القاعدة في أفغانستان والذي قتل مطلع السنة الجارية على الحدود مع باكستان حيث كان في طريقه للقاء بيعة الله محسود والتفاوض معه على الانتقال إلى أفغانستان لقتال القوات الأميركية. ويبدو أن جهوده أثمرت في بناء علاقات وطيدة مع طالبان باكستان خاصة وأن وفدا رفيعا من طالبان الأفغانية توجه، بعد اغتيال الليبي على عجل، إلى منطقة وزيرستان الباكستانية لإكمال مهمة رجل القاعدة ولقاء محسود بهدف تنسيق وتكثيف العمليات العسكرية في أفغانستان، خاصة في الجنوب. وفي حينه ذكرت مصادر أن:"مجموعة أنصار السنة"، و"حركة الجهاد الإسلامية"، و"أنصار المسلمين"، رفعوا حالة التأهب بين قواتهم لشن حملات عسكرية جديدة على القوات الدولية في أفغانستان.
لو استندنا إلى المصادر الأمريكية ذاتها لأصابنا العجب من نشاط القاعدة والمقاتلين الوافدين حتى في مدينة بيشاور التي كانت مرتعا خصبا لنشاط حثيث كان يقوم به أبا الليث منذ العام 2006 حتى قبل أن تعلن طائفة من الجماعة الليبية انضمامها إلى القاعدة. بل أن بعض التقارير تفيد بأنه ما بين 2500 - 3000 مقاتل أغلبهم من دول آسيا الوسطى يعملون الآن تحت قيادة طالبان الباكستانية، وبالتأكيد لم يلتحق هؤلاء بطالبان كي يتمتعوا ببرامج التنمية الأمريكية.
وفي كل الأحوال فإن تدخلات القاعدة في الباكستان لم تتوقف عند حد الدعوة إلى إسقاط برويز مشرف، ولا شك أن تفجير السفارة الدنماركية في إسلام أباد (2/ 6/2008) كان عملا أمنيا بارعا شاركت فيه قوى محلية تمكنت من اختراق الشريط الأمني للسفارة المحاطة بعدد من الشركات الدولية والسكن الدبلوماسي وإلا ما كان من