حصل في اليمن بطريقة مختلفة. فالساحة اليمنية الناشئة على أنقاض ساحة السعودية استوردت التجربة، واستوردت معها عقلية قائدها المؤسس، واستوردت مشروعه. وإذا كان الموت غيب «الزرقاوي» فإن ما يجري انطلاقا من جنوب الجزيرة ليس سوى استكمال لما بدأه في العراق. فهل ثمة ما يدل على ذلك؟ لنرى!
عقلية أبو مصعب الزرقاوي، القائد الأول للقاعدة في بلاد الرافدين عقلية عقدية، صارمة، عنيدة، شرسة وطموحة لا تعرف المستحيل، ولا تعيقها المصاعب والحواجز إذا ما عزمت على القيام بفعل ما .. بل هي عقلية لا تأبه، كثيرا، لأي اعتبار سياسي أو إعلامي أو ردود فعل محلية أو دولية، ولا تعنيها المجاملات مع القوى الأخرى من قريب أو من بعيد .. عقلية باشرت بإفراغ كل ما لديها من مواقف وآراء وأفعال دون أن أن يرتد إليها طرف أو تجرؤ قوة محلية على اعتراضها!
الأكيد أن مشاريع القاعدة وفعالياتها تتسم بالجِدَّة والقدرة على إحداث المفاجأة رغم أن تهديداتها مكشوفة إلى حد المبالغة، لكن ميزة «الزرقاوي» عن غيره من قيادات القاعدة أنه كان صاحب مشروع خاص انطلاقا من العراق وليس في العراق فقط. وإذا كانت القاعدة لا تؤمن بـ «سايكس - بيكو» عقديا، وتسعى لتحطيمها واقعيا، فـ «الزرقاوي» لم يفكر بالانتظار ولا بالمرحلية حتى ينقض عليها فعليا. تلك هي خصوصية مشروع «الزرقاوي» الذي فاجأ الجميع بخروجه المبكر من الحدود باتجاه الدول المجاورة للعراق كلبنان والأردن. لكن أن يصل مشروع «الزرقاوي» إلى الجزيرة العربية انطلاقا من اليمن فلعل مثل هذا الأمر آخر ما كان يخطر على بال مراقب.
خلال المقابلة التي اختصت بها قاعدة «الجزيرة» الصحفي اليمني عبد الإله الشائع، ونشرت على موقع «الجزيرة نت» (26/ 1/2009) ألقى ناصر الوحيشي أمير القاعدة بقنبلة خبرية في أذن «الشائع» ذات دلالة قاطعة على أن قاعدة «الجزيرة» تفكر بعقلية «الزرقاوي» . لكن الإعلام، كعادته، لم يتوقف عندها طويلا. أما جملة «الوحيشي» فتقول: «أن منشأة صافر النفطية والضبة التي استهدفتها القاعدة في سبتمبر/ أيلول 2006، (كانت) بأوامر وتوجيهات من أمير القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي» .
أما الدلالة الأبلغ فقد جاءت قبل مقتله مع أبي عمر البغدادي؛ حين وجهت مؤسسة الفرقان (24/ 10/2008) سؤالا لأبي حمزة المهاجر:
- «هل لكم أعمال عسكرية خارج العراق كالدول الغربية مثلًا؟ وهل عندكم النية لاستهداف المصالح الغربية؟» ؛
-فأجاب: « ... كل الدول التي اشتركت في عدوانها على العراق وإجرامها بحق أهلنا هم هدف مشروع لنا ... ثم إننا بالفعل نفذنا أعمالًا خارج العراق كثيرة ونخص منها بالذكر العملية الأخيرة في بريطانيا والتي نفذ جزء يسير منها على المطار ... » ؛