فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 634

من جهتهم بدا المسؤولون العراقيون الأمنيون واثقون من إجراءاتهم الأمنية إلى الدرجة التي شجعت قاسم عطا مسؤول عمليات بغداد على القول بأن وقوع تفجير واحد يوم الانتخابات هو «أضغاث أحلام» ، لكن تهديدات دولة العراق الإسلامية جرت ترجمتهما فعلا عبر سلسلة عروض عسكرية وأمنية وسياسية مدهشة تزامنت مع فتح صناديق الاقتراع. فهل أخطأ قاسم عطا التقدير حتى تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؟ أم كذب؟ أم أن التصريح كان شر لا بد منه؟ أم أنه تفاجأ كما تفاجأ الكثيرين بأداء القاعدة في العراق حتى أنصارها على المنتديات الذين بدوا منتشين وكأنهم يعيشون يوما تاريخيا غير مسبوق؟ لا يهم. لكن من المهم قراءة الأداء الأمني والعسكري للدولة في ذلك «اليوم التاريخي» .

من المفترض أن العراق جرت تغطيته أمنيا عبر مئات الآلاف من الجنود والشرطة والحرس الوطني والمخابرات وحتى من الميليشيات والعملاء والجواسيس والأعين فضلا عن عشرات آلاف المراقبين والدعم الجوي من الطائرات السمتية والإلكترونية التي تعمل برعاية القوات الأمريكية. وبالإضافة إلى ذلك تم فرض حظر جوي وبري وبحري على منافذ البلاد وتحصين المناطق ومراكز الاقتراع من أية هجمات محتملة، ومُنعت المركبات من السير على الطرقات. كل هذا وغيره أعطي قاسم عطا وغيره الحق في عدم توقع أدنى انفجار! ومع ذلك فقد سقطت مئات قذائف الهاون وانفجرت عشرات العبوات وأطلقت الصواريخ ونسفت بنايتين لعوائل قيل أنها لقوات بدر، وانتكست نسبة المشاركة في الانتخابات وتمت الاستعانة بالمساجد لتحريض الناس على الاقتراع وعدم الخوف مما رآه رئيس الحكومة نوري المالكي مجرد قنابل صوتية في محاولة منه للتقليل من شأنها. فما هو الغريب فيما حدث؟

الغريب أن «الدولة» التي «فرضت حظر التجول» كانت تتجول، وحدها، وسط جيوش أمنية جرارة، ومع ذلك لم تحل كل هذه الظروف والقوى دون منعها من شن حرب شاملة على العملية الانتخابية. والأغرب أن انتشارها العسكري الواسع النطاق وفعالياتها المسلحة تزامنت في وقت واحد لتشمل معظم مناطق العراق السنية وخاصة العاصمة بغداد. وهذا هو المدهش في الأمر. إذ بدا واضحا أنها جهزت مقاتليها جيدا آخذة بعين الاعتبار أعتى الظروف الأمنية على الإطلاق، والتي لا تسمح بتنقل المقاتلين بين منطقة وأخرى، فتواجدت في كافة المناطق لتكشف بذلك عن مدى انتشارها وثقلها العسكري.

أما كيف غفلت القوى الأمنية عن هذا الحجم الكثيف من الانتشار؟ فلا ندري. وكيف خُدعت القوات الأمريكية التي تراقب الجو عن حرب استمرت إلى عصر يوم الانتخابات دون أن تنجح في منعها أو التقليل من كثافتها؟ فلا ندري ولا هي تدري. وعلى هذا المنوال لم نعد ندري ما إذا كانت الحكومة العراقية قادرة على الصمود لمدة 24 ساعة لو انسحب الأمريكيون من العراق واضطرت إلى خوض حرب شاملة مع القاعدة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت