في خطابه الصوتي تحدث البغدادي عن «طول مشورة» شملت كل من: (1) أهل الرأي من العلماء و (2) شيوخ العشائر و (3) المجاهدين في الدولة الإسلامية. كما تحدث عن قرار بمنع الانتخابات مستخدما للمرة الأولى تعبير: «كل السُبل المشروعة الممكنة وعلى رأسها السبيل العسكري» . وقد نفهم «السبيل العسكري» لكن ما هي «السبل المشروعة» التي يمكن للقاعدة أن تتبعها في منع ما تعتبره كفرا؟
الملاحظ أن حربا شاملة بهذا الاتساع ما كان للبغدادي أن يعلنها دون توفر: (1) حاضنة اجتماعية ترفض الانتخابات و (2) تقبل بالسبيل العسكري و (3) بنفس الوقت توفر الغطاء الأمني. لكن هذه المرة بدون سيارات مفخخة وبدون قصف مباشر لمراكز الاقتراع إلا تلك التي يتركز فيها الخصوم مع تجنب إيقاع خسائر في صفوف المدنيين. وحين مراقبة الأداء العسكري ليوم الانتخابات تبين أن أغلب القذائف سقطت قريبا من مراكز الاقتراع أو عبوات ناسفة وضعت على جوانب الطرق أو في الحاويات أو في المعازل بحيث يؤدي انفجارها إلى تخويف الناس أكثر من إصابتهم ناهيك عن قتلهم. لا شك أنه أسلوب جديد في التعامل مع أحداث سياسية ذات طابع اجتماعي.
ولعل أطرف ما تم رصده من ردود فعل على الأداء العسكري هي تلك التصريحات التي أدلى بها مسؤولون عراقيون وقد خلت تماما، وعلى غير العادة، وربما للمرة الأولى، من اتهام القاعدة بممارسة القتل العشوائي واستباحة الدماء كما كان يحصل عند كل هجوم يستهدف المؤسسات الحكومية أو الجيش والشرطة أو الصحوات أو القواعد العسكرية ومراكز الأمن.
فمن جهته صرح نوري المالكي واصفا الانفجارات بأنها: «مجرد أصوات لتخويف المواطنين» ، وكذلك قاسم عطا: «يريدون التأثير على الناخب العراقي ومنعه من المشاركة في الانتخابات «، أما رئيس مجلس النواب إياد السامرائي فقال:» الانفجارات لن تؤثر في مسارنا نحو الديمقراطية، فهؤلاء يائسون وبدلًا من أن يضعوا أيديهم بأيدي العراقيين يهاجمونهم». وحتى الأمريكيين لم يبتعدوا كثيرا عن تصريحات العراقيين. فقد رجح «جيف ماكوسلاند» مستشار الشؤون العسكرية في شبكة تلفزيون CBS News الأمريكية أن: «هدف الهجمات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها بغداد هو إفشال العملية الانتخابية الجارية حاليا» ، مشيرا أن: «المتمردين لا يهدفون إلى قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين العراقيين ولكنهم يريدون تخويف السكان بهذه الهجمات المتفرقة ولاسيما في بغداد للحد من عدد المشاركين في عملية الاقتراع» رغم أنهم: «ما زالوا قادرين على شن هجمات كبيرة باستخدام السيارات المفخخة وغيرها من الأسلحة، الأمر الذي يتسبب في مشاكل كبيرة وذلك ما فعلوه خلال الأيام والأسابيع التي سبقت هذه الانتخابات» .
إلى هذا الحد لا يبدو أن دولة العراق الإسلامية، بشهادة الخصوم والأعداء، قد تجاوزت السبل الشرعية حتى وهي تستعمل الخيار العسكري كـ «سبيل شرعي» في مواجهة الانتخابات النيابية والسعي لإفشالها. ولا شك أن مثل هذه الشهادات، خسرت دون أن تدري تهمة قتل المدنيين التي استعملتها كسلاح فتاك لفك الارتباط بين