فلم يعد ثمة حرمة تذكر لعقيدة أو شريعة أو وطن أو جماعة أو فرد أو حزب أو رئيس أو زعيم أو قيم أو أخلاق أو حقوق أو تاريخ أو حضارة أو مسجد أو بيت ولا حتى لجسد أنثى أو طفل أو شيخ أو شاب استباحت عفته أو براءته قوى العدوان أو اللقطاء ممن جمعتهم أنظمة الأمن وشكلت منهم جلادين في السجون. بل أننا كلما فقدنا قيمة أو حق أو تشريع أو مصدر قوة أو حصانة وضُيقت على الناس الهوامش وبعض مساحات الحرية على ندرتها اشتد الغلاء والبلاء وفُتحت لنا أبواب التحلل الاجتماعي على مصراعيها وأبيحت العلاقات المشبوهة مع أعداء الأمة وسُخرت وسائل الإعلام للرويبضة لتتحدث باسم العامة، وما دونها قتلة أو متطرفين، وحوصرت الشعوب والأوطان وهُدد الأفراد بأرزاقهم وعلت أصوات الانتهازيين والمنافقين والكذابين وانقلبت المعايير والبديهيات والثوابت والتمسك بالحقوق إلى غلو وتنطع وأوهام.
كثير من المشايخ والفقهاء عزّ عليهم الدعاء على اليهود والمشركين وعزّ عليهم الجهاد في زمن الجهاد، أما الفلسطينيين فصار المتصهينون منهم يسابقون اليهود والأمريكيين في جلد الذات والانتقام منها وحتى تدميرها كما لو أنهم مصابون بنزعة المازوشية، وها هو مندوب السلطة في مجلس الأمن يقدم مشروعا يطالب فيه اعتبار حركة حماس منظمة خارجة عن القانون! ويقف بالمرصاد جنبا إلى جنب مع إسرائيل لمنع مشروع عربي، ويا للمفارقة، يطالب بفك الحصار عن غزة، أما سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطينية ورجل أميركا القادم فيحذر عمرو موسى من التدخل في الشأن الفلسطيني ويهدد وزير الخارجية السوري بتحريك المعارضة في الخارج إذا ما تدخل هو الآخر في الشأن الفلسطيني ولو ناصحا! ترى: من أين لهؤلاء القوة والشجاعة كي يهددوا ويتمنوا الشفاء لقتلة العصر ومجرميه ويتحالفوا معهم لإحكام الحصار على غزة ويصدروا المراسيم بحل حركات المقاومة؟ وبأية منظومة أخلاقية أو حيوانية منحطة يصدر هؤلاء تهديداتهم وتتدفق مشاعرهم"النبيلة"تجاه أعداء الأمة والدين بينما تتكلس تجاه شعبهم؟
لا أحد من العرب أو الفلسطينيين قادر أن يفعل شيئا يذكر لا لنفسه ولا للقضايا العربية الكبرى ولا حتى للبؤس الاقتصادي والاجتماعي وحالة التيه والضياع الذي تعيشه الأمة، وكلهم بلا استثناء استدعيوا إلى أنابوليس راغبين أو مكرهين ليكونوا شهودا رغما عنهم على تصفية القضية الفلسطينية بالمواصفات الأمريكية والصهيونية. هذا الانحدار والرضوخ التام للمنطق الأمريكي والإسرائيلي كشف وجه أمة لم يعد لديها أية مرجعية إطلاقا ولا إرادة ولا بصيص أمل، وبات يتضخم ككرة الثلج معلنا بأن الأمة تتجه نحو الطريق المسدود لا محالة.
وبينما نحن بانتظار أنابوليس ومحاولات تحطيم الجهاد في العراق وإذلال المجاهدين وأنصارهم عبر سياسة المراجعات تناقلت الشبكات الجهادية عن موقع القفقاس رسالة للرئيس الشيشاني دوكو عمروف يعلن فيها قيام إمارة القوقاز الإسلامية، وهو إعلان إن قُرئ بموضوعية صرفة بعيدا عن السخرية والتجاهل فهو بلا شك إعلان عاصف بكل المقاييس، ولعل بضعة ملاحظات في صميم الإعلان تكشف أنه:
-تجاوز حدود الشيشان ليشمل عدة جمهوريات ومناطق قوقازية واقعة جميعها تحت الحكم الروسي، وهذا بحد ذاته سابقة سياسية في تسجيلها لأول عبور سياسي إقليمي مقارنة بما سبقها من إعلانات مماثلة كإمارة أفغانستان ودولة العراق الإسلامية اللتين أعلنتا على أراض محددة ولم تستطع أي منهما أن تسجل عبورا ولو محدودا اللهم إلا في