فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 634

لا أقول إلا بيّض الله وجهك يوم تبيّض وجوه عند لقاء رب العالمين، وذب الله عن عرضك كما ذبيت عن عرض إخوانك في دولة العراق الإسلامية الفتية وكذلك قاعدة الجهاد ولا شلت يمينك عما كتبته.

لا شك أنه ليس لإحدٍ صفة الكمال، وأنا معك والخطأ ورد حتى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن نبينا الكريم لم يكن ليثرب على أصحابه حتى لا يفتح ثغرة على الإسلام والمسلمين، بل إنه عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم لم يقتل حتى المنافقين الذين كانوا حوله خشية أن يقال أن محمدًا يقتل اصحابه، وأكبر مثال قصتين عن إثنين من صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، والقصة تبيّن مدى تعامل نبينا الكريم مع صحابته حينما يقتل أحدهم خطأً وهم في ساحة الجهاد ونبيّن الفرق بينه وبيّن أدعياء حب الإسلام وتحرير الأوطان بل حب الشهرة والمنصب والأغراض السياسية والمصلحة التي تقدم على الكتاب والسنة، وهاتين القصتين هما عن صحابيين جليلين وقادة من قادات الجهاد الإسلامي في عصر صدر الإسلام:

1)أسامه بن زيد رضي الله عنه (حب اب حب رسول الله) وتربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم (قائد جيش سمي بأسمه [جيش أسامه] ) وأسام حينما قتل مسلمًا يقول لا إله إلا الله، وهو مخطئًا، فقد روى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم: أقالها أم لا. فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ). وفي رواية (فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال، فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال فمازال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) . وفي رواية (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، فقال: وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رجع إليه السيف قال لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: لم قتلته؟ قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا وسمى له نفرا، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ قال: نعم. قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله استغفر لي، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ فقال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) .

وجاء في صحيح البخاري في كتاب الديات بلفظ (ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. قال: فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته) .

فانظر كيف يعظم النبي صلى الله عليه وسلم كلمة الشهادة. وأنها تعصم النفس والدم، وأنه يجب أن يعامل قائلها بظاهره، ويوكل سريرته إلى العليم الخبير.

وانظر كيف يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المخطئ من المسلمين، فلم يشنع على أسامه، ولم يقل له أنت تنتقم لنفسك، أو تبحث عن مصلحتك، أو تريد أن تضع لك كيانًا.

2)خالد بن الوليد رضي الله عنه (سيف الله المسلول) ، القائد العبقري الذي لا تزال خططه الحربية في معاركه مثار إعجاب الشرق والغرب وتدرس في كلياتهم وأكاديمياتهم العسكرية، عن أبي هريرة قال:"نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلًا، فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من هذا؟» ،فأقول: فلان حتى مر خالد، فقال: «من هذا؟» ، قلت: خالد بن الوليد، فقال: «نِعْمَ عبد الله هذا سيف من سيوف الله» ."

وروى الطبراني في الكبير، وابن سعد في الطبقات، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا:

«لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار» .

روى ابن حجر المطالب العالية 4/ 277

«لا تسبوا خالدًا فإنه من سيوف الله - عز وجل - سله الله - تعالى --على الكفار» إسناده صحيح.

وقد حدثت منه قصتين من هذا القبيل:

أ) وجاء في صحيح البخاري مايلي: بعث النبي صلى الله عليه وسلم: خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره.

فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين» .

ب) مقتل مالك بن نويرة وزواج خالد من امرأته /

لما سار خالد ومن معه إلى مالك بن نويرة الذي منع الزكاة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ولما علم مالك بقدومه أمر قومه بالتفرق حتى لا يظفر بهم خالد، ولكن خالدا تمكن من أسره في نفر من قومه، وكانت ليلة شديدة البرودة، فأمر خالد مناديًا أن أدفئوا أسراكم، وظن الحرس -وكانوا من كنانة- أنه أراد قتل الأسرى - على لغتهم- فشرعوا فيهم سيوفهم بالقتل، حتى إذا ما انتبه خالد كانوا قد فرغوا منهم.

ويتضح من قصتي سيف الله المسلول أعلاه أمور منها:

1 -أن الصحابي غير معصوم.

2 -خالد بن الوليد قرشي وكانت قريش يقولون لكل من أسلم صبأ، حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة ابن أثال وقدم مكة معتمرًا قالوا له: صبأت؟،قال: لا بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء.

3 -خالد بن الوليد حمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم صبأنا، أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا، بالإسلام.

4 -قال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين، فقتلهم متأولًا قولهم.

5 -النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تبرأ من فعل خالد ولم يتبرأ من خالد نفسه!، فأيننا ممن يضع يده بيد الرافضة والأمريكان ويأتي على دبابتهم ثم يزعم أنه مقاوم ومناصر للقضية العراقية، ثم يتبرأ بمن أغبرت أقدامهم في سبيل الله، وطارت أرواحهم للذود عن بلادك التي تدعي حبها.

6 -النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يعزل خالدًا عن الإمارة، بل مازال يؤمرُه ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب، أمر بالرجوع عن ذلك وأُقرّ على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي صلى الله عليه وسلم بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت