د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي متخصص
الحقائق الدولية ومجلة العصر
كنا قد أشرنا في مقالات سابقة على امتداد شهرين تقريبا إلى أن القاعدة تحضر لمفاجئات قادمة قد تكون في مطلع شهر رمضان فإذا هي تأتي في أواخر الشهر ولكن ليس من القاعدة. فقد بثت الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين شريطا مرئيا (15/ 10) يعلن فيه حلف المطيبين قيام الدولة الإسلامية في العراق. وسواء نال الخبر ما يستحق من الإعلام أو لا فالحدث سبقته سلسلة كبيرة من الأحداث وستعقبه سلسلة أكبر في الأسابيع والأشهر القادمة. والسؤال ليس عن الأسباب التي دفعت للإعلان عن قيام الدولة فقط بل في حيثيات البيان ذاته الذي يطرح علامات استفهام واضحة وغير مسبوقة.
الزعماء الأشباح
على غير العادة نشطت وسائل الإعلام الغربية والعربية واشتعلت حمى تصريحات المسؤولين العراقيين حلفاء القوات الأمريكية بأخبار انصبت كلها من الألف إلى الياء على وفاة بن لادن أو اعتقال أبي حمزة المهاجر زعيم تنظيم القاعدة في العراق، إضافة إلى مقتل زعيم أنصار السنة.
ففي 21 أيلول / سبتمبر الماضي أعلن المتحدث الأمريكي باسم الجيش الجنرال وليام كالدويل أن قواته ألقت القبض على أحد مساعدي المهاجر الملقب بأبي أيوب المصري، وفي ذات اليوم سربت المديرية العامة للأمن الخارجي (المخابرات الفرنسية الخارجية) وثيقة تحوي معلومات مصدرها المخابرات السعودية تقول أن بن لادن توفي بمرض التيفوئيد، وبعد يومين وجدت الوثيقة طريقها إلى النشر عبر صحيفة فرنسية هي (L'Est Republicain) ، وما لبث الخبر أن انتشر كالنار في الهشيم في شتى أصقاع الأرض.
وفي الثاني من الشهر الجاري (أكتوبر) أعلن موفق الربيعي المستشار الأمني للحكومة العراقية عن قرب قواته من اعتقال المهاجر أو قتله، عارضا صورا نسبت له وهو يدرب مقاتلين على تفخيخ السيارات. وفي الخامس من الشهر ذاته عاجلت قناة العربية أجهزة الإعلام في العالم لتبث خبرا تعلن فيه مقتل المهاجر في اشتباكات جرت مع الجيش الأمريكي الذي نفى فيما بعد اشتراكه فيما أذيع عن عمليات أدت إلى مقتل المهاجر. أما الربيعي فعاد في اليوم التالي (6/ 10) ليعلن اعتقال حامد جمعة فارس جوري السعيد الملقب بأبي همام أو أبي رنا والذي يشغل منصب الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في العراق، وأن هذا الاعتقال قاد إلى القبض على 11 قائدا من الصف الثاني في التنظيم.
وعلى غير العادة أيضا نشطت قوى المقاومة في العراق وفي مقدمتها القاعدة والجيش الإسلامي في صناعة الأحداث أو الرد عليها. فأعلن الجيش الإسلامي في مقابلة مصورة له بتاريخ 6/ 10 عن مبادرة للتفاوض مع الأمريكيين على إنهاء الاحتلال. وردت القاعدة على دعوة المالكي لبعض شيوخ الأنبار (27/ 9) بالمساعدة على ضبط الأمن بشريط صوتي للمهاجر (28/ 9) اتهمهم فيه بالخيانة وداعيا إياهم إلى التوبة والتمتع بالأمن والحماية وإلا فهو في حل من أمرهم، وردا على شريط أبو أسامة العراقي (13/ 10) الذي دعا فيه بن لادن إلى حل تنظيم القاعدة بسبب ما زعم أنها ممارسات ترهيب للناس والمجاهدين وجهت القاعدة لطمة قوية لهذه الدعوة لما أعلنت عن حلف المطيبين الذي ضم مجموعة من قادة المجاهدين وشيوخ العشائر يبايعون فيه على إقامة الدين في مناطقهم والدفاع عن المجاهدين. وبعد يومين (15/ 10) أعلن مجلس شورى المجاهدين في تسجيل مرئي عن قيام الدولة الإسلامية في العراق بزعامة أمير مجلس شورى المجاهدين أبو عمر البغدادي.
لم يعد يخفى أن القاعدة تتعرض لهجمة إعلامية شرسة تسعى إلى استفزازها للخروج على الملأ لاسيما الشخصيات الخفية فيها مثل بن لادن والمهاجر، ولا شك أن ضحالة المعلومات عن قادتها هي، بالأحرى، من استفز أجهزة الأمن في العالم بحيث شرعت ببث أخبار متلاحقة عن وفاة هذا أو مقتل ذاك أو الإعلان عن اعتقال هنا أو هناك لعديد المساعدين لأبي حمزة المهاجر كما لو أن للرجل عشرات الفرائس ممن يمكن اصطيادها فيما هو المحصَّن الوحيد علما أنه كان في يوم ما نائبا ولم يسقط كما سقط العشرات من النواب في بضعة أيام! ولكن مما لا شك فيه أيضا أن كثرة الأخبار من هذا النوع من شأنها أن تربك ليس قادة القاعدة بقدر ما تربك الأنصار تحديدا أو قل إجمالي التيار السلفي الجهادي، والمشكلة بالنسبة للقاعدة تكمن في قدرتها على قياس درجة التحمل لدى أنصارها من الوقوع فريسة للغموض والإحباط، والحقيقة أن رواد المنتديات الجهادية، إذا ما قيس عليهم كرأي عام مبدئي، عبروا في الغالب عن رضى بالقضاء والقدر إزاء خبر وفاة بن لادن، مما يؤشر على أن أخبارا من هذا النوع تبدو أبعد ما تكون عن القدرة في إحداث أثر في مسار السلفية الجهادية. وبهذا المحتوى، من الحرب الجديدة وردود الفعل المتوقعة، يبدو أن المتابعين لقضايا السلفية الجهادية مقدمون، فعلا، على التعامل مع ما يسميه البعض بالجيل الثالث من مقاتلي القاعدة والذين لا يعرف لهم اسم ولا شكل ولا طول ولا ملامح ولا أية مواصفات يمكن أن يسترشد بها أحد للإيقاع بهم، وحينذاك لن تنفع الجوائز الأمريكية المقدرة بملايين الدولارات للقبض على زعماء أشباح.
شريط إعلان الدولة
يقع الشريط في ثماني دقائق وواحد وثلاثين ثانية. ولكنه يطرح علامات استفهام كثيرة تحتاج إلى إجابات شافية. فعلى مستوى التوقيت جاء الشريط بعد سلسلة الأحداث السابق الإشارة إليها، ويمكن قبول فرضية أن القاعدة في العراق كانت قد ألمحت إلى ذلك في جزء من شريط مصور للزرقاوي قبل اغتياله حين أشار إلى احتمال إعلان إمارة إسلامية في غضون ثلاثة أشهر.
على كل حال فقد ساق شريط الإعلان عن الدولة بعض المبررات التي أوجبت إعلانها مشيرا إلى بعض الأدلة الشرعية، وبعض الموجبات الموضوعية كظهور دولة للأكراد في الشمال وأخرى للشيعة في الجنوب والوسط، أما المبررات السياسية فحتى"لا تكون فتنة ولا تضيع دماء وتضحيات أبنائكم المجاهدين سدى". وحدد الشريط ستة محافظات عراقية من أصل ثمانية عشر محافظة وهي بغداد والأنبار وكركوك وديالا وصلاح الدين ونينوى إضافة لأجزاء من محافظتي بابل وواسط كمناطق للدولة الوليدة بما يساوي تقريبا مساحة دولة المدينة للرسول صلى الله عليه وسلم كما أشار الشريط.
ومن المؤكد أن الإعلان عن الدولة أثار المخاوف لدى المؤيدين والمناصرين أكثر مما أثاره لدى الأعداء، فقد عبرت هيئة علماء المسلمين عن تخوفها من تقسيم العراق لاسيما أن صيغة الإعلان توحي بذلك بحيث بدت قاعدة بلاد الرافدين كمن يستبق الأمور قبل أن تضيع حقوق السنة. ولو كان الأمر كذلك فقط لأمكن تفهم هذه الخطوة غير أن المثير في الشريط أنه (1) صدر عن الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين الذي يضم ثمانية تنظيمات جهادية فيما الذي زف"البشرى"هو مجلس حلف المطيبين الذي يضم شيوخ عشائر بالإضافة إلى قادة مجاهدين (2) والأكثر إثارة أن الإعلان عن خطوة سياسية بهذا الحجم كان من الأجدى، دفعا للريبة والتخمين، أن تتضمن إشارات بروتوكولية لتنظيم القاعدة الأم ولقادته أسامة بن لادن ود. أيمن الظواهري من باب التأكيد على البيعة والعهد والإمارة وهو ما خلا منه الشريط بصورة تامة (3) ناهيك عن خلوه من أية إشارة للملا محمد عمر بوصفه أمير المؤمنين بالنسبة للسلفية الجهادية (4) في حين طالب الإعلان ببيعة الشيخ أبو عمر البغدادي بوصفه أمير المؤمنين وهو أول تعبير يطلق عليه منذ تشكيل المجلس، الأمر الذي يطرح تساؤلا كبيرا: هل صيغ البيان على عجل بحيث سقط تعبير الوالي على بلاد الرافدين بدلا من تعبير الأمير؟ أم أن هناك أكثر من أمير للمؤمنين؟ وكيف يفسر الحلف هذا الأمر كي يزول اللبس؟ (5) وأزيد من ذلك أن الشريط استعمل مصطلحات حديثة مشيرا إلى تعبير"دولة"بدلا من"إمارة"في الاسم الرسمي وتعبير"المتحدث باسم دولة العراق الإسلامية (وزارة الإعلام) "، وهي تعبيرات، كانت موجودة في التاريخ العربي والإسلامي ولكنها بصيغتها المقدمة تبدو أقرب إلى واقع اليوم من أي واقع إسلامي، (6) أما إلى أي حد يسيطر حلف المطيبين على المناطق التي أعلن فيها الدولة، وعن صحة توقيت الإعلان فهي من ضمن مسائل أخرى مثار تساؤل وتخوف حتى من قبل السلفيين الجهاديين وأنصارهم دون أن يعني هذا الإقلال من الخطوة؟
ومنذ فترة بتنا نرقب إعلاما مؤيدا للمقاومة الإسلامية في العراق، ولكنه بنفس الوقت إعلام نقدي يتحدث عن خلافات وممارسات شاذة لمن يزعمون أنهم من مؤيدي القاعدة، ومثل هذا الأمر دفع البعض إلى استغلال المناخ القائم ليبعث برسائل تحذير لبن لادن بوجوب حل التنظيم وسحب البيعة إلى حد التهديد بالمواجهة. وسواء كان هذا ينم عن مسؤولية وحرص تجاه ما يجري أو أنه مجرد كذب ومحاولات لبث الفتنة كما قال بيان المهاجر، فالثابت أنه ما كان لأحد أن يتجرأ به وبهذه الصيغة من القول لولا أن ممارسات تجري في العلن أدت إلى استغلال الوضع لشيء ما يدبر بالخفاء من قبل الخصوم.
نقول هذا ونحن نلحظ في السياق أن الجيش الإسلامي عاجل القاعدة بتقديم مبادرة للتفاوض مع الأمريكيين سرا أو علانية بشرط اعتراف الأمريكيين بالمقاومة الإسلامية من جهة ووضع جدول زمني للانسحاب من العراق من جهة ثانية. فإذا كانت العلاقات بين أطراف المقاومة الإسلامية واضحة ومحددة الأهداف؛ فلماذا كانت المبادرة لو لم يكن ثمة وساوس أو حتى خلافات؟ وإلا كيف نفهم مثلا أن يطالب أحد الجهاديين بأن تكون الراية واحدة بدلا من القول بتوحيد الرايات، بمعنى أن مبادرة الجيش الإسلامي جاءت على خلفية الانسحاب والاعتراف الأمريكي وهذه مسألة تقع خارج حسابات القاعدة التي تتحدث عن إقامة شرع الله في الأرض وليس فقط عن طرد القوات الأمريكية.
وأيا كانت طبيعة الخلافات بين فصائل العمل الجهادي فهي بلا شك لن ترقى إلى الصدام، ولكنها للأسف ارتقت إلى التباين وربما الخلاف والاختلاف الأمر الذي أظهر شريط إعلان الدولة خاليا من التنسيق مع أية جماعة أخرى بما في ذلك تنظيم القاعدة الأم، غير أن البيان ترك الباب مفتوحا على مصراعيه للمبايعة والتأييد ودعم هذه الدولة الوليدة مما يخفف من ردود الفعل السلبية.
ولكن من جانب آخر في التحليل، وطالما أن المعلومات غائبة كليا، فلعلنا نعتقد بحق أن التنسيق ربما يكون وقع فعلا، وأن ما يجري ربما يكون أيضا تكاملا في الأدوار وليس تبادلا لها. فغياب القاعدة الأم بكل رموزها عن الحدث وعن محتواه قد يعني تجنيبها أي فشل محتمل للدولة المعلنة، فإذا ما نجحت يباركها الرموز، أما فشلها فيقع على حلف المطيبين تحديدا بوصفه الذي بث البشرى وليس مجلس الشورى وجماعاته حتى لو كان رئيسه هو أمير المؤمنين. على أية حال فإن قابل الأيام هو وحده الكفيل بإزالة الغموض.
تعليقات العصر
8 تعليق حتى الآن (اضف تعليقك على المادّة فورًا)
ماشاء الله تحليل رائع
ناتج عن متابعة
نقلا عن قناة الجزيرة:
أقر الرئيس الأميركي جورج بوش للمرة الأولى بوجود تشابه بين غزو بلاده للعراق والحرب في فيتنام. جاء ذلك بينما ارتفعت الخسائر في صفوف القوات الأميركية في العراق إلى 67 قتيلا منذ مطلع الشهر الجاري ليصل إجمالي القتلى منذ الغزو في مارس/آذار 2003 إلى نحو 2770 جنديا.
وردا على سؤال لشبكة التلفزيون الأميركية"إيه بي سي"حول تشبيه الهجمات الحالية على الجنود الأميركيين بالعراق بعملية"تيت"العسكرية الشهيرة التي كانت نقطة تحول ضد الأميركيين خلال حرب فيتنام، قال بوش إن كاتب المقال الصحفي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز"قد يكون على حق".
وأقر الرئيس الأميركي بتصاعد مستوى العنف في العراق مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في السابع من الشهر المقبل. ورفض أي انسحاب لقوات بلاده قبل"قيام عراق قادر على حكم نفسه بنسفه والدفاع عن نفسه"، وكذب ما يقال عن أن الإدارة تبتعد يوميا عن هذا الهدف.
اللهم انصر المجاهدين الموحدين في العراق وفي كل مكان .... آمين
أولًا:
يجب على الجميع العلم .. بأن دولة الخلافة الإسلامية لم تقم بعد .. وأن وجوب بيعة أمير واحد (خليفة) كما هو الحال في دولة الخلافة .. لم يحن أوانه بعد ..
ثانيًا:
لو افترضنا وجود دولة الخلافة .. فسيكون في عنق الناس بيعتان .. لا ينفصلان عن بعضهما البعض .. بيعة للخليفة .. وبيعة لأمير الولاية التي يسكنونها والذي هو أصلًا تحت إمرة الخليفة .. فطاعة أمير الولاية هي من طاعة الخليفة ..
ثالثًا:
بيعة من يسكنون خارج ولاية العراق (دولة العراق الإسلامية) لأمير الدولة الشيخ أبو عمر البغدادي هي واجبة في الوقت الحالي على أهل هذه الولاية فقط .. لأن من مستلزمات البعية أن يكون الأمير المبايع حاكما مباشرًا عليك وقائمًا بحكمه فيك .. ومن المعلوم أن سلطات أمير العراق الجديد لا تتعدى حاليًا المناطق المحددة في البيان ..
رابعًا:
على كل من بايع أمير دولة العراق الأسلامية من خارج العراق (ممن لا ينوي الهجرة إليه) أن يعلم أن بيعته هذه لا تتعدى كونها تأييدًا لهذا الأمير ودعوة لجميع سكان العراق لمبايعته .. فهذه البيعة هي من باب مناصرة إخواننا هناك لا أكثر ..
وختامًا ..
فإن الشيخ الملا عمر هو أمير ولاية أفغانستان الإسلامية وتجب مبايعته على جميع من هو في تلك الولاية وعلى من ينوي الهجرة إليها ..
والشيخ أبو عمر البغدادي هو أمير دولة العراق الإسلامية .. وتجب بيعته على يسكنون في تلك الولاية وعلى من ينوي الهجرة إليها ..
والشيخ أسامة .. هو أمير تنظيم القاعدة .. والذي يمكن اعتباره جيش دولة الخلافة الإسلامية القادمة بإذن الله .. ويدل على ذلك بيعة الشيخ للملا عمر أميرًا عليه ..