فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 634

2)رغم أن التوصيفات بـ"الغلو"يجري إسقاطها على المنهج بوضوح إلا أنه من السهل أن تُفهم، لدى السلفية الجهادية، وكأنها إسقاط على العقيدة أيضا حتى لو لم يقل"التمايز"بذلك صراحة، وحتى لو رافق تعبير"الغلو"توصيفات أخرى مرادفة مثل"الجهل والجهلة". فقد ورد في التمايز"معادلة غامضة تحتمل أكثر من تفسير، وهي بالنص:"والله لو كانت أخطاؤهم قليلة أو في مسائل اجتهادية لما تحدثنا عنها، ولكنها أخطاء أساءت للمشروع الجهادي أيما إساءة". والحقيقة لا ندري ما المقصود بالضبط في عبارة"مسائل اجتهادية". فقد تعني في ظاهر القول بعض القضايا العقدية التي تحتمل الاجتهاد، لكن في قضايا سياسية مثلا من نوع الإعلان عن إقامة دولة العراق الإسلامية؛ فنحسب أنها مسألة اجتهادية محضة. لكن المشكلة تقع في مستوى الغايات وهي تطبيق الحاكمية. إذ تغدو هنا مسألة في صميم العقيدة إذا ما كان الموقف يترتب عليه إقامة الحاكمية. فإذا كان الجيش لم يحدد موقفه منها فلأن"التمايز"تعمد هذا الغموض. بل، ومن وجهة نظر السلفية الجهادية، فإن الخلاف، على مستوى العقيدة وليس المنهج، يقع في صلب بيان تأسيس المجلس السياسي الذي بدا علمانيا صرفا، فضلا عن إقراره لحكومة التكنوقراط، وهي مسألة عقدية خالصة وليست مسألة اجتهادية عند السلفية. وهذا يعني أن الترويج، بين الجانبين، للخلاف وكأنه على أساس المنهج يفتقد إلى الدقة خاصة وأن"التمايز"لم يأت على ذكر مثل هذه المسائل."

من جهة أخرى فقد جاءت التوصيفات أكثر اتساعا بالمقارنة مع بيان الجيش الإسلامي (5/ 4/2007) حين اتهم القاعدة باستحلال الدم الحرام. وحين التدقيق في لغة هذه البيانات يتبين لنا أنها ذات جذر مشترك، كما أنها مجرد اتهامات تحتاج إلى إثباتات شرعية لن يستفيد الجيش من إثارتها كثيرا حتى لو ثبتت عنده بـ"التواتر"ما لم تثبتها أو تنفيها جهة قضائية بين الجانبين. وفي السياق تكشف خطابات قادة، دولة العراق الإسلامية عن مقترحات علنية قمت في مناسبتين، على الأقل، لحل الإشكالات المتعلقة بكل قضايا"الغلو"عبر محكمة شرعية تتأسس للغرض، وفي أحد خطاباته أبدى البغدادي استعداده لدفع الثمن حتى من دمه إن ثبت أن رجاله أصابوا دما حراما. وحتى الآن لم نسجل أية ردود فعل رسمية من الجماعات الأخرى إلا من كتائب العشرين التي قال ناطقها الرسمي، في أعقاب حوادث أبو غريب، أنهم جالسوا قادة القاعدة لحل الإشكالات العالقة بينهما. فما الذي يمنع تقارب الجانبين وكأنهما على طرفي نقيض؟ هل هو الغلو في المنهج؟ أم الاستحقاقات العقدية في مسائل الحاكمية على وجه التحديد؟

3)من الملفت للانتباه أن خطاب الكثير من الجماعات تنصل من أي اعتبار للرأي العام. فكل جماعة أو حزب أو تنظيم أو حركة، داخل العراق أو خارجه، صار له مكّة خاصة به، وكل من أبدى رأيا مخالفا، في قضايا عربية أو إسلامية أو وطنية، صار يُرجم بالمثل الشهير:"أهل مكة أدرى بشعابها"، وهو المثل الذي بات كالسيف المسلط على كل قول لا يعجب القوم. وهذا مؤشر على وجود أجندات خاصة بكل جماعة بعيدا عن أي اعتبار كان إلا إن كان الرأي يصب في خانة القوم، وإلا ما كانوا مضطرين للهروب إلى الأمام باستعمال عبارة غدت أوهى من بيت العنكبوت خاصة في الزمن الرقمي.

أليس عجيبا فعلا أن يكون من حق الولايات المتحدة وقوى العدوان في العالم وشتى أجهزة الاستخبارات ومئات الآلاف من فرق الموت المزروعة في العراق، أن تعلم بتفاصيل كل شؤون أهل مكة وشعابها، وأن تعيث فيها فسادا وإجراما وقتلا في الليل والنهار، وأن يجري التفاوض معها والاستماع إليها كما لو أنه يحق لها ما لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت