فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 634

والشعب. لكن الحركة الاستعمارية الجديدة التي دشنتها وتقودها الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت ملامح احتلال تستهدف المجتمع بالذات ناهيك عن الدولة. والطريف في الأمر أن قسما من السكان والقوى السياسية هو من هيأ لنجاح هذا النوع من الاحتلال إما عبر الترحيب به أو بالتحالف معه أو بالتملق إليه والقبول به والترويج لسياساته واستراتيجياته. بل والأسوأ أن القوى المحلية غدت تتصارع فيما بينها على خدمة القوى الأجنبية والتقرب منها وحتى الاتصال بها باعتبارها جزء من الحل وليست المشكلة. ومثل هذه الحالة ظهرت في فلسطين ولبنان نسبيا، لكنها ظهرت في العراق بأوضح صورها سواء في صفوف الطوائف كالشيعة أو السنة أو في صفوف القوميات كالأكراد والعرب. وهذا يعني أنه ما من تشكيل اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو أمني أو عسكري أو مذهبي أو ... بمنأى عن التعرض لاحتلال يمس الفرد والجماعة والطائفة والقبيلة والعائلة والمؤسسة والحزب .... إلخ

هذا النموذج من الاحتلال هو الذي تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تعميمه عبر ما يسمى بالمفاتيح الفعالة لـ"تقليص"ما يراه حتى الجمهوريين بـ:"المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم". ولا شك أنه النموذج الأخطر على مصير الأمم والأربح بالنسبة للأمريكيين خاصة وأنه سيمكنهم من دفع التكاليف من جيوب الناس ودمائهم وأوطانهم وعقيدتهم وتاريخهم ونسيجهم دون أن يخسروا الكثير. بل أن الاستراتيجية الجديدة تحرص على عدم السماح للقوات العسكرية بالانجرار إلى قتال مباشر، وعلى إخفاء مظاهر القوة الأجنبية عن أعين المجتمع المحلي كي لا تتسبب بأية استفزازات لها قد تدفعها إلى التمرد والمقاومة، وعلى استغلال كافة الطاقات المحلية لتحقيق الأغراض الأمريكية من وراء ستار. ولا ريب أن الدراسة في ترويجها لهذا النوع من الاحتلال تستفز المراقب حقا، خاصة وأنها، وللأسف، تتعامل مع المجتمعات المستهدفة كمجتمعات بدائية تسكنها شعوب مغفلة، ولهذا تراها تسهب فيما توصي به دون أن تحسب حسابا لأية ردود أفعال.

أخيرا، وبحسب الدراسة، يبدو أن الأمريكيين مدركون لأولوياتهم أو أن عليهم أن يدركوها. بينما نحن، في أحسن الأحوال، جزء منها. كما أن الأمريكيون متفائلون في القضاء على القاعدة لأكثر من سبب. وفي المقابل كان لدينا ولا يزال ألف سبب وسبب للتشاؤم من القادم.

في الوقت الحاضر فإن أغلب التشكيلات الاجتماعية ليست صديقة للولايات المتحدة. لكن استراتيجية الاحتلال الاجتماعي القائم على الاستيطان الأمني الواسع النطاق ستؤدي قطعا، في وقت من الأوقات، إلى انقسامات اجتماعية شديدة الخطورة، كما أنها استراتيجيا تنذر بانخفاض حاد جدا في سقف الحريات والشعور بالأمان الفردي والاجتماعي رغم أنها تتحدث عن"عمليات دقيقة". ويبقى السؤال الجوهري الذي يحتاج إلى إجابة صريحة هو: هل ثمة من يعتقد أن المجتمعات العربية والإسلامية محصنة تجاه احتلال من هذا النوع؟ سؤال للبحث. لا بد وأن يتطوع أحد للإجابة عليه بدون تحيز أو مكابرة، وإلا فلنستعد لاستشارة أحد فروع"راند"المحلية قريبا.

-رابط ملخص الدراسة باللغة الإنجليزية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت