فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 634

أو الاغتيالات الموجهة عن بعد أو افتتاح مكاتب للسي آي إيه أو الإف بي آي في البلدان العربية والإسلامية تقع خارج السياق بما في ذلك دراسات راند السابقة حول احتواء الجماعات الاسلامية سواء في العراق أو خارجه. ولعل الاجتماع الشهير لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مع رؤساء أربع أجهزة مخابرات عربية يقع في الصميم من الفعل الأمني المكثف الذي انتهجه الجمهوريون. فعلامَ يزاود الديمقراطيون، إذن، على الجمهوريين في المسائل الأمنية؟

استراتيجيا الاحتلال الاجتماعي

مع ذلك ليس من الموضوعية التعامل مع الدراسة عبر حشرها في زاوية سياسية وإسقاط مضامينها من أية حسابات حتى لو أنجزت لصالح طرف معين أو بناء على تواطؤ أو أجندة سياسية. إذ تبقى"راند"واحدة من أهم مؤسسات البحث العلمي المؤثرة في القرار السياسي وحتى في الرأي العام. لذا فإن تقصي مفاعيل الدراسة في المدى المنظور ممكن من زاوية المعطى الأهم فيها خاصة ذاك الذي يتحدث، من جهة، عن:"إعادة ترتيب للأولويات"، ومن جهة أخرى عن:"المفاتيح الفعالة"في الاستراتيجية الجديدة. وهذا يعني أن الفشل الاستراتيجي، منذ سبتمبر، ليس ناجما عن استعمال القوة العسكرية بحد ذاتها بقدر ما هو نتاج خطأ في ترتيب الأولويات التي أدت إلى تقدم خيار على آخر دون حساب لمستوى الفعالية.

هنا بالضبط يقع الجديد في الدراسة، وهو ما تريد"راند"قوله في الصميم رغم أنه لم يتم اختباره بعد. إذ أن تَقدُّم الخيار الأمني على الخيار العسكري هو أمر جديد تماما خاصة وأن الديمقراطيين لم يجربوا حظهم في الحرب على الإرهاب منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر. إذ خضعوا، كغيرهم من القوى، لسياسة التخويف الجمهورية التي ألجمت الجميع وحبست الأنفاس. ولأنه جديد فما من معطيات قابلة للاستقراء والتحليل. وهذا مؤشر على أن الخيار برمته هو افتراض يحتاج إلى المزيد من الاختبار والتحقق وليس بالضرورة أن يكون صحيحا بناء على تحليلات كمية تاريخية. بل أن المزج بين المسألة الأمنية والمفاتيح الفعالة ليس جديدا إلا إذا اعتمد كأولوية استراتيجية كما تطرح الدراسة. وحينها فقط علينا أن نتوقع مولد كارثة ستحل بمناطق التدخل الأمريكي.

فالمتمعن في الدراسة سيخرج بانطباع متين أن حربا ضروسا من نوع مختلف قادمة ولا شك، وأيا كانت المبررات والحيثيات فالأكيد أنها حرب مقلقة على كل صعيد بما أنها ستستهدف الفرد والمجتمع والدولة التي ستتعرض إلى ضغوط مكثفة ستقلص من هوامش حراكها الداخلي بحيث تشعر أنها باتت مهددة كلما غدت مؤسساتها مستباحة للاستراتيجيات الأمريكية وهوى صناع القرار في البيت الأبيض. فالجيوش وأجهزة الأمن والشرطة ستنتقل من حالة التعاون بين الدول، في أحسن الأحوال، إلى مجرد أدوات تنفيذية للسياسات الأمريكية. وإذا ما نفذت الاستراتيجية الجديدة، بهذه الطريقة، وهي واقعة جزئيا على كل حال، فستمارس الولايات المتحدة نوعا جديدا من السيطرة والاستعمار لم تشهده البشرية من قبل. لأننا سنكون على موعد ما يمكن تسميته بـ:"الاحتلال الاجتماعي".

في الاستعمار التقليدي عايشت الشعوب الضعيفة تدخلا عسكريا عنيفا انتهى بالسيطرة على بقعة جغرافية معينة والتحكم في مصيرها. وفيما عدا حاشية المستعمر المحلية المنتفعة من الاحتلال السياسي والتي لا تزيد نسبتها، في العادة، عن 6% من عدد السكان اختارت الغالبية العامة من السكان مقاومة القوة الغازية بشتى الوسائل المتاحة. وفيما عدا حالات معينة فقد انتهت الحركة الاستعمارية بالانسحاب المباشر عن الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت