لهم أبناءهم من ساحات القتال أحياء بدلا من الأكياس السوداء. وسيكون بمقدور الديمقراطيين مخاطبة الشعب الأمريكي بكل ثقة واطمئنان ولسان حالهم يقول: إنكم وثقتم بدراسات"راند"التي نجحت في اختراق الساحة العراقية؛ وها هي"راند"ذاتها توصي بأن يتقدم"الأمن"على"القوة العسكرية"، فما من عذر لإضاعة الفرصة، لذا عليكم أن تختاروا بين الأمن لأمريكا ولكم ولأبنائكم أو انتظار المزيد من الجثث.
إذن الاعتقاد، بوقوف الديمقراطيين خلف الدراسة أو بتواطؤ"راند"مع الديمقراطيين، أمر وارد فيما يتعلق بالصراع على السلطة. لكن هناك ما هو أكثر من مبرر الانتخابات القادمة، ونقصد بذلك افتراق الحزبين في توجهاتهما السياسية واستراتيجياتهما. وفي السياق ظهر معطى لا نحسب أنه مفاجئ بقدر ما هو مدروس بدقة في المضمون وفي توقيت ظهوره.
المقاربة الثانية
ففي 1/ 8/2008، وبعد يومين من دراسة"راند"بالضبط، صدر تقرير حاسم عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بعنوان:"إستراتيجية الدفاع الوطني". وظهر التقرير كما لو أنه رد عاجل على دراسة"راند"المحرجة للجمهوريين. وإذا كانت الدراسة قد استرشدت بتجارب أربعين سنة مضت فالتقرير، كما أوضح وزير الدفاع روبرت غيتس، جاء كـ:"محاولة لتطبيق الدروس المستخلصة من الحربين اللتين تخوضهما قواته في العراق وأفغانستان"، وهذه إشارة إلى أن الجمهوريين لم يكونوا نيام خلال فترة حكمهم، فلديهم أيضا دراساتهم وتقييماتهم. فالتقرير يخلص إلى الإعلان عن:"إستراتيجية عسكرية جديدة"تضع"الحرب الطويلة"ضد تنظيم القاعدة في طليعة أولوياتها في المرحلة المقبلة. بل ومتقدمة على مخاطر"حرب تقليدية"مع الصين أو روسيا اللتين يتجه التقرير إلى تحييدهما في المرحلة المقبلة وبناء:"علاقات شراكة وتعاون معهما بدلا من اعتبارهما عدوا". ودعا التقرير:"إلى التعاون مع الدول الحليفة والشريكة من أجل المساعدة على تقليص المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم"، وبالتالي"حرمان المتطرفين من معاقلهم". وأكثر من ذلك فقد أفاد التقرير:"إن الانتصار في الحرب الطويلة ضد الحركات المتطرفة والعنيفة سيشكل في المستقبل المنظور الهدف المحوري للولايات المتحدة". واعتبر أن:"البيئة الإستراتيجية"التي تواجهها الولايات المتحدة في المستقبل المنظور:"ستحددها مكافحة شاملة لأيديولوجيا متطرفة وعنفية تسعى لقلب النظام العالمي". ومن الواضح أن التقرير بني على استراتيجية القوة العسكرية ولم يحد قيد أنملة عن استراتيجيات الجمهوريين المعتادة بعكس الدراسة التي بنيت على استراتيجية القوة الأمنية.
وبهذا المعنى يسهل الاستنتاج بأن الدراسة ذات دوافع سياسية بحتة أكثر منها استراتيجيات جديدة. فالجمهوريون الذين يبدو أن الدراسة أغاظتهم حتى نخرت عظامهم عجلوا بصدور تقريرهم للتأكيد على استراتيجياتهم التقليدية ذات النزعة العسكرية التي لا تقل تطرفا عن المطحنة الأمنية لدى الديمقراطيين.
ومع ذلك لدينا ما يكفي من المؤشرات للاعتقاد بأن الدراسة لن تؤثر كثيرا في مجرى الانتخابات الأمريكية لاسيما وأن الجمهوريين لم يفرطوا بالأمن ولا بأدواته فيما يخص حربهم على الإرهاب طوال فترة حكمهم، إذ أن تصريح الرئيس الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر (إما معنا أو ضدنا) لم يكن ليستثن أية آلية عمل ممكنة كالتي ذكرتها"راند"في دراستها مثل:"أعمال بوليسية مخابراتية دقيقة وحريصة، قوة عسكرية (حربية) ، مفاوضات سياسية، عقوبات وتضييقات اقتصادية"، السابقة ولا التعميمات الأمنية ذات الطابع العالمي أو التدخلات الحثيثة