إننا نطرح السؤال كون المؤسسة التي أنجزت الدراسة، واختارت مسبقا المنهج الإمبريقي انطلقت في التحليل، على ما يبدو، من فرضية لديها ترقى إلى مستوى الإثبات حتى قبل أن يجري فحصها منهجيا في ضوء تجارب الجماعات المسلحة. وهذه الفرضية (المسلمة) تقول بأن القاعدة ما زالت منظمة قوية ومتماسكة، وأن لا حل عسكري لها في الميدان! ولا شك أن هذه ليست نتيجة بقدر ما هي حقيقة تعترف بها المؤسسة مسبقا. بطبيعة الحال سيلاحظ القارئ، بداية أو نهاية، أن الدراسة تتحدث عن فشل استراتيجي أمريكي في التعامل مع القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، وهذه مسألة تعتبر بالنسبة للدراسة"دلائل"لا تحتاج إلى إثباتات. فما الذي أرادت الدراسة، إذن، إثباته أو نفيه؟ وبماذا سيفيدها الرجوع إلى تاريخ الجماعات المسلحة؟ هل تريد التفتيش عن آليات جديدة للقضاء على القاعدة باعتبار أن الآليات المعمول بها منذ 11 سبتمبر آلت إلى الفشل؟ أم تريد إثبات فشل السياسات الأمريكية في التعامل مع القاعدة في ضوء التجارب السابقة للجماعات المسلحة؟ وهل استعملت المنهج الإمبريقي لإثبات صحة توجهاتها؟ أم لخدمة توجهات أطراف أخرى؟ باختصار: ما هي خلفيات الدراسة؟
بما أننا لا نمتلك أية معلومات صريحة حول الجهة التي تقف خلف الدراسة فسنلجأ إلى مقاربة المضمون مع كل من سياسات الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي. إذ لكل منهما استراتيجياته التقليدية التي تميزه تاريخيا فيما يتعلق بشعار"أمريكا قوية دائما".
المقاربة الأولى
في خضم العام الجاري ثارت في الولايات المتحدة الأمريكية عاصفة من النقاشات حول مصير القاعدة انقسم فيها الرأي إلى قسمين: أحدهما يقول بأن القاعدة هزمت والثاني يرى خلاف ذلك! وإذا قلنا أن المفكرين الأمريكيين أنفسهم يختلفون حول الموقف من القاعدة فإن ما جاءت به"راند"ليس سوى تغليب رأي على آخر حتى لو اتخذ طابعا علميا. إذ لا يعقل أن تتحول القاعدة بين ليلة وضحاها إلى تنظيم مهزوم أو منتصر بفعل ما يشبه الجدالات العقيمة التي لم يفلت منها إلا مؤسسة راند!
فالثابت أن الدراسة صدرت على مقربة من انتخابات أمريكية ذات مواصفات مميزة عن سابقاتها، سواء لجهة المرشحيْن والأصول الأفريقية لأحدهما أو لجهة تقييم حالة الاتحاد الأمريكي بعد حربين دمويتين أو لجهة أزمة اقتصاد عالمية خانقة غير مسبوقة بهذه الشراسة وهي تطحن كافة التشكيلات الاجتماعية وتنذر بفوضى عالمية. أما خلاصة ما تدعو إليه الدراسة فيقضي بتقديم متغير الأمن على ما عداه من متغيرات أخرى. ولو عاينا أطروحات الحزبين سيتبين لنا أن سياسات الحزب الديمقراطي تتسم بالتركيز على الأمن والاقتصاد والمال، بينما سياسات الحزب الجمهوري انحازت تاريخيا إلى السياسة الخارجية وشن الحروب ودعم كارتيلات التصنيع العسكري والتكنولوجيا الحربية. ومن الواضح والجلي أن الدراسة، بتغليبها متغير الأمن كأساس لاستراتيجية جديدة، تميل إلى التماهي الصريح مع الديمقراطيين. وهذا يدفعنا إلى التساؤل بجدية: هل أعدت الدراسة بناء على طلب من الحزب الديمقراطي أو إحدى وكالاته؟
الحقيقة أنه ما من شيء يثبت خلاف ذلك. بل أن المؤشرات التي تدعم هذا الاعتقاد كثيرة جدا. فالدراسة تؤشر على أن الديمقراطيين يستعدون لتولي السلطة فعليا، وأنهم عازمون على استخدام أقصى طاقاتهم في الوصول إلى البيت الأبيض عبر الكشف المبكر عن استراتيجياتهم المتوافقة مع كونهم أسياد الأمن القومي الأمريكي تاريخيا. وأن الدراسة ستمكنهم من الضغط على الجمهوريين واستمالة الناخبين الأمريكيين للبرنامج الديمقراطي الذي سيعيد