بطبيعة الحال أثارت التصريحات البابوية الفريدة من نوعها العالم الإسلامي بمختلف مذاهبه وطوائفه وفرقه الدينية ومفكريه وكتابه وفقهائه وعلمائه احتجاجا على بشاعة التصريحات وعدائيتها الشديدة. وبلغت الردود المفندة لها مبلغا عميقا، واستقر الرأي على دعوة المؤسسة الكنيسية الكاثوليكية والبابا إلى الاعتذار الفوري للإسلام والمسلمين والتبرؤ من هذه التصريحات المخالفة للحقيقة والتاريخ. وركن البعض إلى التهديد والوعيد والتحذير من مغبة تكرار سيناريو الرسوم الدنماركية في صحيفة اليولاند بوسطن إن لم يقدم الفاتيكان اعتذارا صريحا.
ومن جهتنا لا نشك البتة في وجاهة الردود وصحتها بقطع النظر عن أصحابها وتوجهاتهم أو انتماءاتهم أو نواياهم. ولكنا غدونا نتعرض لهجمات مماثلة ضد الإسلام والمسلمين عامة وليس خاصة فقط، وبتنا نصم أذنيننا ونتعامى ونتجاهل ونحذر من الغلو والتطرف ولا نسمع ردا حازما ولو مرة واحدة دفاعا عن إسلامنا ومسلمينا ونبينا وخير الخلق أجمعين، بل أننا نسمع الكثير من أصحاب النوايا الحسنة ممن يتداعون لإطلاق دعوات التعقل والحكمة واحترام القانون والتسامح الذي ولد في بيئة غربية دموية استوجب ظهوره وليس في بيئة إسلامية. وبتنا نقرأ دعوات صريحة في الإدانة والإهانة وتبني وتمجيد لمقولات الغرب في هجومه على الإسلام والمسلمين.
لقد سبق ونادى الكثير من زعماء الغرب وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بحرب صليبية جهارا نهارا، ولو كانت دعوته زلة لسان لما كررها زعماء آخرون آخرون مثل بيرلسكوني وتاتشر وغيرهم معززين بمئأت المفكرين أمثال دانيال بايبس وفوكوياما وبرنارد لويس وهنتنجتون وأشباههم، وأهانت صحيفة اليولاند بوسطن الرسول الأعظم في رسوماتها الساخرة والمليئة حقدا وبغضا، ولاقت الدنمارك تعاطفا وتضامنا رسميا وشعبيا في كافة أنحاء أوروبا ولم تتنازل حتى عن مجرد اعتذار، بل أن صحفا أخرى تداولت صفحاتها الرسوم. ثم التقط بوش ثانية عبارة فوكوياما عن الأصولية الإسلامية الفاشية فقدم عبارته الشهيرة ليتحدث عن"فاشية إسلامية"، وها هو بينيديكت السادس عشر يتحدث عن الجهاد كحد بين الإسلام والمسيحية وعن لا عقلانية الإسلام وعن رسول شرير لم يأت بجديد للإنسانية إلا الشر وعن إسلام لا يتفق مع العقل كما هو حال المسيحية.
نحن المسلمين نعرف بينيديكت جيدا، ونعرف تزمته وتعصبه للمسيحية وشراهته في التبشير بالنصرانية وحبه لليهود وحتى عنصريته تجاه أتباعه من العالم الثالث والرابع والخامس، وهو يعرف أن ما قاله لا يمت لأية حقيقة بصلة، ويعرف عن الإسلام أكثر من أي شخص آخر، ويعرف أيضا أنه ما من حقبة في الزمن أظلمت فيها أوروبا إلا وأضاءها الإسلام، ويعرف بينيديكت أننا نعرف عنه الكثير، وأنه بابا شرير حتى قبل أن يقع انتخابه. ويعرف أننا نقول الحقيقة، ويعرف أكثر من غيره هو وأسلافه من الذي أنشأ محاكم التفتيش في إسبانيا؟ ويعرف جرائم الكنيسة وتغذيتها للتطهير العرقي والإثني والديني في قبرص ومالطا والبلقان، ومن الذي أشعل الحروب في أوروبا؟ ومن الذي منع وحدة بلدانها؟ ومن الذي اضطهد سكانها؟ ويعرف من الذي شن الحروب الصليبية؟ وغذى القتل على مدار عشرات السنين؟ ومن الذي أصدر صكوك الغفران لسلب