الموصل. ومثل هذا السيناريو عبّر عنه المالكي بطريقة أخرى حين ربط بين معركة الموصل وسيطرة الحكومة على بغداد والبصرة.
لكن تأجيل الحملة أو بطء سيرها لا شك أن له أسبابا وجيهة. فالموصل ذات الأربعة ملايين نسمة ليست الفلوجة ذات الربع مليون، فحين أدرك الأميركيون، في الفلوجة الأولى، أن تحقيق الانتصار على المدينة مهمة شبه مستحيلة بوجود مقاتلين"ذوي عزيمة"بين السكان غيروا استراتيجياتهم بتفريغها من سكانها وتدميرها عن بكرة أبيها فيما يعرف بحروب الإبادة التي يعجز فيها خصم متفوق على الانتصار على خصم ضعيف إلا بوسائل الإبادة الشاملة. لكن نموذج الفلوجة من المستحيل تطبيقه على مدينة الموصل التي فشلت فيها الصحوات أن تجد لها موطئ قدم رغم طول وعرض الطابور الخامس فيها، كما أن مدينة بهذه الكثافة السكانية الهائلة سيجعل من أية حرب فيها في غير صالح القوات المهاجمة التي ستضطر إلى خوض حرب عصابات في كافة أحياء المدينة وشوارعها وأزقتها مما يعني أن الانتصار ربما يكون متاحا لكن بتكلفة باهظة لا تقل عن تكلفة الفشل والهزيمة وإلا ما كان المالكي ليصرح بأن الحملة على الموصل هي مسألة حياة أو موت وما كان للأمريكيين أن يمتنعوا عن المشاركة في المعركة والاكتفاء بالدعم اللوجستي أو القتال عن بعد، بمعنى أن تقدم القوات الأمريكية الدعم السياسي والإعلامي فضلا عن التغطية الأمنية والجوية. فكيف السبيل للسيطرة على المدينة؟
عشية الإعلان عن بدء الحملة لجأت القوات الأمريكية إلى أسلوب الشائعات المثيرة تارة عبر وكلائها من الحكومة العراقية وبعض الفضائيات. في المرة الأولى قالوا أنهم تعرفوا على شخصية البغدادي، وفي الثانية انتُزع أبو حمزة المهاجر من فراشه وألقي به على منابر إعلامية معينة عبر وشاية من أحد"أقربائه"حيث نجحت قوة استخبارية عراقية في اعتقاله وهو"نائم"! ولما سئل عمن يكون؟"عرف عن نفسه بأنه أبو حمزة المهاجر"! كان واضحا لأنصار المجاهدين أن الخبر، فيما احتواه، فضلا عن ردود الفعل الأمريكية عليه أنه ملفق أكثر منه حقيقة، وذهبوا أبعد من ذلك محذرين من أن يكون الهدف من بثه إشاعة جو من الارتباك كاف لتشغيل عاصفة من الاتصالات قد تسمح في حشد بعض المعلومات عن المجاهدين وتتبع القيادات في الموصل وغيرها. ربما تكون قراءتهم للخبر صحيحة مع أن الأقرب للصحة هو إحداث بلبلة كبيرة عبر نشر خبر يشتمل على تناقضات أكثر حتى تأخذ المناقشات مجراها بين متخوف أو محبط أو مكذب أو داعي للتريث.
وأيا كان السبب فإن نشر الخبر كان مثيرا حقا خاصة وأن السيناريو الذي صيغ به بدا أشبه ما يكون بسيناريو مقتل حامد الجبوري المتحدث الرسمي باسم دولة العراق الإسلامية. آنذاك ترافق الخبر مع خبر آخر قيل فيه أن الحكومة العراقية قتلت أبو عمر البغدادي ولما شكك الكثيرون به أكدت الحكومة أنها تحتفظ بالجثة، وما هي إلا يومين أو ثلاثة حتى أصدرت"الدولة"بيان نعي بمقتل الجبوري. ويبدو أن الأنصار خشوا من تكرار ذات السيناريو وهو ما أثار بعض الارتباك. أما هذه المرة فلأن الخبر استهدف المهاجر كوزير حرب فالأقرب للصحة، من كل ما ذُكر، أن الهدف كان توتير المقاتلين بالذات وإحباطهم وإشغالهم بالتحقق من صحة الخبر أكثر من الأنصار لاسيما وقد تلاه مباشرة الإعلان عن بدء الحملة على الموصل.