الأمريكيون والحكومة يبدوان عاجزين عن حسم معركة الموصل، فالحسابات كثيرة والتداعيات قد تكون خطيرة جدا خاصة وأن قواتهما جربتا مدنا أخرى كبغداد وديالى واستعملتا أوراقا عدة كالتغطية السنية والصحوات واختراق بعض الجماعات الجهادية، ومع ذلك تبقى تحركاتهما ذكية وإدارتهما لوقائع المعركة سياسيا وإعلاميا وعسكريا على قدر كبير من الحذر والغموض. لكن مثلما يستفيد الأمريكيون والقوات الحكومية من إخفاقاتهم كذلك تفعل الجماعات الجهادية بصورة أشد وضوحا للعيان.
ففي الوقت الذي تحتشد فيه القوى المهاجمة في الموصل من شتى الأطياف المحلية والأجنبية تتجه قوى مضادة من الجماعات الجهادية نحو تفعيل نشاطاتها في الرمادي وبغداد وديالى فضلا عن الموصل، وكان مثيرا أن تستفيق القوات الأمريكية على قتلى بالجملة بين صفوف جنودها في الأنبار ليس عبر زرع العبوات فحسب بل وفي التعرض لكمائن قاتلة بصورة أعادت إلى الأذهان شراسة حرب الأنبار في السنوات الأولى للاحتلال، وكذا الأمر في ديالى وبغداد التي تعرضت فيها المنطقة الخضراء لضربات مميتة، والأسوأ فيما يجري، تلك الكمائن الاستخبارية التي تنفجر بين الحين والآخر على بوابات المنطقة الخضراء مخلفة حيرة ورعبا من قدرة المجاهدين على الوصول إلى أماكن حساسة. بالتأكيد لم يكن بمحض الصدفة أن تستهدف الجماعات الجهادية موكب هيرو زوجة الرئيس العراقي جلال الطلباني (الكرد) ، أو مقر الحزب الإسلامي وأحد قادته (السنة) كطرفين محرضين على غزو الموصل. فهي بلا شك رسائل فريدة وعميقة المحتوى، إذ حتى لو دمرت الموصل فلا أحد بمأمن من السقوط أو التعرض للأذى والخوف والرعب لا زوجة الرئيس ولا بان كيمون ولا زعماء الحزب الإسلامي ولا أبو ريشة وأعوانه ولا الحكيم ولا هذا وذاك، فالضربات تقع في القلب من بغداد وليس الموصل، والأجدى لمن يحرص على حماية أهل السنة في الموصل أن يحرص على حماية نفسه ورموزه أولا.
الملاحظ أن القوى الجهادية في طريقها إلى الائتلاف ثانية سواء في الأنبار أو بغداد أو سامراء أو ديالى أو الموصل، ولا يمكن قراءة ما يجري في الأنبار تحديدا خارج سياق ما يجري التحضير له في الموصل أو خارج التنسيق المشترك وإلا ما كان الأمريكيون ليتعرضوا لهذه الخسائر الفادحة بصورة مفاجئة، كما أن الصحوات لم تعد تتعرض فقط لهجمات من دولة العراق الإسلامية أو أنصار الإسلام وحدهما بعيدا عن القوى الأخرى خاصة جيش الراشدين الذي سبق وأعلن عليها حربا بلا هوادة، أما المفاجأة فكانت من قبل أعضاء في جبهة الجهاد والإصلاح عدا الجيش الإسلامي قالت قناة الجزيرة أنهم أصدروا بيانا كفروا فيه كل من يدعم مقاتلة القاعدة ولو بكلمة بقطع النظر عن خلافاتهم معها. وقد يكون البيان أثار أنصار الجهاد كونه تضمن إدانة لما اعتبره اعتداءات على الأرواح والممتلكات ارتكبها"بعض"أعضاء القاعدة فيما مضى بحق الناس، لكن مجرد إعلانه على وسائل الإعلام ربما يكون توطئة فعلية إلى عودة الجماعات الموقعة عليه إلى الاصطفاف في ساحة الميادين العسكرية مجددا والمراهنة على المشروع الجهادي بعيدا عن الجبهة وسياساتها وبعيدا حتى عن الجيش الإسلامي الذي لم يعد يُسمع له كبير صوت.