على كل حال، حتى الآن يبدو أن القائمين على الحملة قادرون على التحكم بوقائعها، هكذا يبدو الأمر باعتبارهم القوة المهاجمة التي ستقرر لحظة الانفجار، لكن ما من قوة معنية بوضع الموصل سواء القوى المهاجمة أو القوى المدافعة أفضت ببعض ما لديها تجاه وقائع المعركة التي من المفترض أنها جارية على قدم وساق. فكل طرف يغطي تحركاته وفعالياته بستار سميك من الكتمان والسرية بحيث يصعب التنبؤ بما يجري. ورغم أن أي تحرك عسكري من أي طرف سيؤدي إلى انكشافه فإن القوى المدافعة عن المدينة لا تنفك عن الاصطياد إذا ما واتتها فريسة محققة بذلك أمرين:
1)اختبار مدى جاهزية القوى المهاجمة وفاعليتها عبر عمليات استطلاع ميدانية وهجمات محدودة وبالتأكيد مدروسة.
2)ضرب خطوط الإمداد والإسناد للقوى المهاجمة وإرباك حركتها حتى في أماكن تجمعها داخل المدينة وعلى أطرافها.
3)استفزاز القوى المهاجمة لدفعها للرد وبالتالي كشف أوراقها وجرها إلى معركة في غير التوقيت الذي ترغب فيه.
إلا أن القوى المهاجمة ربما تبدو أكثر تحملا وهي تراهن على عامل الوقت بما يحققه من إرهاق للخصم وحيرة تربك حساباته وتوقعاته، والأكيد أن الفريقين يخوضان ما يشبه لعبة عض الأصابع مع الفارق في محتوى وأهداف وحسابات كل فريق فيما يسعى إليه، وفي المحصلة فلا شك أن حيثيات المعركة مختلفة عن سابقاتها وهذا صحيح، والصحيح أيضا أنه لو كانت القوى المهاجمة على ثقة بما لديها من عُدّة وعتاد لما تأخرت كل هذا الوقت عن خوضها خاصة وأن طول الوقت بلا جدوى من شأنه استنزاف الطاقات والمعنويات، وفي المقابل فإن قوة الخصم قد تكون وراء التأجيل المتكرر خاصة وأنه يردد أن الله أكبر وأن الله معه بخلاف الطرف المهاجم الذي يعتقد أنه يتفوق بالعدد والعتاد، وشتان بين الاعتقادين.
بلا شك فقد حققت التصريحات الرسمية غموضا معتبَرا في حقيقة ما يجري بصورة غير مسبوقة، وهذا أسلوب مزعج للخصوم، وألقت بشبهات ثقيلة على أهداف الحملة فيما إذا كانت من أجل إشاعة السلم الأهلي أم من أجل تسليم المدينة للبشمركة والتمهيد لتقسيم العراق؟ زد على ذلك أنها وقعت في ارتباك صريح كلما تعالت تصريحات الرسميين والحلفاء عن الحملة لجهة التأجيل والدراسة والتهديد وبث الأخبار التي تكشف عن ضحالة المعلومات المتوفرة لديها عن القوى المدافعة وقياداتهم.
أخيرا، لو أن الحرب على المشروع الجهادي حالت دون قطف الكثير من الرؤوس وسط خطة أمن بغداد وسيطرة الصحوات على الأنبار وعواصف التشويه الإعلامي ومنع المجاهدين من مقاتلة الأمريكيين فإن إخراج المقاتلين من الموصل سيحول، هو الآخر، بالتأكيد دون شن حروب من أي نوع في المستقبل، لكن الواقع يأبى التسليم بمثل هذه الافتراضات. ومع ذلك ليس لدينا إلا ترقب القادم من الأيام.