فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 634

التي تؤوي القناة فلم يصدر عنها أي بيان يذكر ردا على الحلقة الفضيحة بالرغم من أنها دولة مستقلة وذات سيادة، ورغم أن الله والرسول والعقيدة والإسلام والمسلمين شتموا على أرضها ومن على منابرها.

في مثل هذه السياقات ورد تهديد القاعدة الصريح والمقتضب بما لا يثقل على المستمعين ولا يسمح بتحريف أو تضليل، لكن أخطر ما في الخطاب ليس التهديد بضرب أوروبا وهي مسألة تحتمل النجاح والفشل بل في التهديد بتغيير قواعد اللعبة مع أوروبا، وهي قواعد مختلفة عما هو الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية على الخصوص، وهذا بالذات ما نسعى إلى مقاربته.

فالعلاقة التقليدية بين القاعدة وأوروبا قائمة على تحييد هذه الأخيرة من ساحة الصراع المباشر وتوجيهه باتجاه الولايات المتحدة باعتبارها رأس الأفعى وما دونها مجرد ذيول بدليل أن الهجمات التي شنتها القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية وقعت إما على أراضيها مباشرة وإما في الجبهات الساخنة وإما عبر استهداف مصالحها في مناطق مختلفة من العالم، أما الهجمات التي وقعت بمدريد ولندن فالثابت أنها مبادرات لما يسمونه بخلايا نائمة في أوروبا موالية للقاعدة ومؤمنة بأفكارها لكنها ليست من القاعدة، وهذا يؤشر على أن القاعدة لم تعلن الحرب بعد على أوروبا، وعلى العكس من ذلك فقد طالبها بن لادن في خطاب سابق وجهه إلى الشعوب الأوروبية (29/ 11/2007) بالابتعاد عن تأييد السياسة الأمريكية أفضل لها من المراهنة على حصان خاسر سواء في العراق أو أفغانستان. فهل يمكن أن تتغير المعادلة إلى غير هذا الحال؟

الحقيقة أن هذا هو جوهر الخطاب، فالدين ونصرة الرسول عند القاعدة أهم من قتل الأبرياء في جبهات القتال رغم ما يخلفه من مآسي:"فهذه هي المصيبة الأعظم والأخطر والحساب عليها أعسر"، ذلك أن إعلان أوروبا الحرب على العقيدة والإسلام والمسلمين والنبي الكريم يعني أن معايير الصراع التقليدية بين الأمم سقطت، وبالنسبة للقاعدة فلم تعد الحرب ذات ضوابط أخلاقية وهي تتجرأ على العقائد وتسخر وتتحدى وتتضامن فيما بينها على إهانة الرسول، أما:"قوانين البشر التي تصادم تشريعات الله تعالى باطلة لا قداسة لها ولا تعنينا"خاصة وأن أوروبا نفسها تخلت عنها في مواضع شتى فلماذا يحتجون بها ضد المسلمين؟

لكن القاعدة تفسح المجال لتجنب المواجهة، لذا وجه بن لادن خطابه إلى:"عقلاء أوروبا"كي ينصتوا ويتداركوا الموقف قبل فوات الأوان، ولا شك أنه خطاب يستبق المواجهة بتوجيه"إنذار"شديد اللهجة بما أن أحدا من العرب والمسلمين عجز عن القيام بالمهمة، وعليه فالمعادلة التقليدية في العلاقة ابتداء من الخطاب آيلة إلى السقوط إذا ما أصرت أوروبا على التمادي في الإساءة وأحجم عقلاؤها عن وضع حد لها، فإن رغبوا في الحفاظ عليها كان بها وإلا:"فلتتسع صدوركم لحرية أفعالنا"وحينها:"فالجواب ما ترون لا ما تسمعون". وبهذه العبارة الأخيرة يكون بن لادن قد أعاد خلط الأوراق بالكامل، فالخطاب إنذاري أكثر منه تهديدي، لكن من يضمن؟ فهل تنجح القاعدة في تحقيق ما عجز عنه الآخرون فتوقف أوروبا عند حدها ليهدأ غضب المسلمين وتسلم أوروبا إلى حين؟ أم أن الحماقات تأبى أن تفارق أهلها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت