المنتديات سرعة الردود على أحداث كبرى أول ما تستدعيه التروي والصبر والتحقق وليس الرد السريع الذي غالبا ما يأتي متهورا واستفزازيا حتى لو اتصف بحسن النية.
3)إعلان الدولة الإسلامية. في الواقع، كما قلت، لست على علم شرعي كي أبدي رأيي بهذه المسألة، ولست أيضا على دراية دقيقة بالواقع السياسي والميداني للجماعات الجهادية في العراق كي يكون لي الحق في تأييد أو رفض هذه الدولة، ولكن لي بعض الملاحظات أو لنقل التساؤلات ليس إلا، فالواقع العراقي متشابك ومعقد ويمثل اليوم حدث الساعة في العالم أجمع وعلى مدار اليوم. ولا شك أنه ثمة اختلافات في السياسة والمنهج بين الجماعات السنية كافة، فمن ناحية يبدو بعضها قريبا من الآخر وبعضها بعيدا جدا وبعضها لا مبالي وبعضها انتهازي مائع ومتأرجح وبعضها ربما يميل لهذه الجهة أو تلك، ومن ناحية ثانية ثمة من يقاتل لدنيا وآخر يقاتل لدولة مستقلة وثالث يقاتل لدولة إسلامية في العراق فقط ورابع يقاتل للخلافة، ومن ناحية ثالثة ثمة من ينظر إلى الأنظمة السياسية العربية باعتبارهم طواغيت وآخر يعتبرهم أشقاء وثالث ينظر لهم بعين الريبة ورابع يعتبرهم متآمرين وحلفاء للأعداء، وعلى مستوى الجماعات المسلحة لدينا تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وجيش الفاتحين وأنصار السنة وكتائب العشرين وجامع والبعث وعشرات الكتائب الأخرى القريبة من هذا والبعيدة عن ذاك، وعلى المستوى السياسي لدينا هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي وجبهة التوافق وغيرهم. والسؤال هو: إزاء هذا التنوع والتعقد، هل من الحكمة إعلان دولة إسلامية في العراق والطلب من هذه المجاميع، بهذه التشكيلات، مبايعتها؟ أم أن الحكمة قضت بإعلان الدولة لقطع الطريق على القوى العبثية كي لا تضيع جهود المجاهدين كما تقول القاعدة أو دولة العراق؟
في بعض الأحايين نلحظ مقارنات بين إعلان تشكيل الإمارة الإسلامية في أفغانستان وإعلان الدولة في العراق، بيد أن الفرق كبير إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأولى تشكلت على أنقاض تشكيلات المجاهدين وصراعاتهم الدامية بعد الانسحاب السوفياتي من البلاد والحال في العراق ليس كذلك. قلت أنني لا أمتلك العلم الشرعي كي أبدي رأيي بالمسألة ولكن من وحي الواقع السياسي ألا تشعر القاعدة أنها تضخمت في العراق وحملت أوزار الآخرين في غير أوانها بفعل إعلان الدولة؟ نظريا ربما يكون الجواب صحيحا، ولكن واقعيا فكما يقولون:"أهل مكة أدرى بشعابها".
بقيت ملاحظة في هذا السياق، فالقاعدة هي إحدى الأدوات الضاربة لتيار السلفية الجهادية، ولكن تحولها إلى دولة ربما يكون ألحق بها الضرر من حيث لا تدري. فهي انتقلت من تنظيم لا مركزي، ولكنه شديد الصرامة وقادر على السيطرة ومراقبة جميع عناصره وتشكيلاته المسلحة، إلى تنظيم يتحدث عن نفسه رفقة جماعات أخرى بوصفه جيش الدولة. والسؤال: ألا يمكن أن يشكل هذا التحول مدخلا للغلو؟ ثم من يضمن ألاّ تعبث بعض القوى والمجرمين بأمن الناس ثم يجري تحميل المسؤولية للقاعدة ومنها إلى الدولة؟ وفي حالات مماثلة من الاختراق أو الغلو أو التستر أو الادعاء، وبقطع النظر عن الفتوى وظروفها، ألا تبدو نصيحة الشيخ حامد العلي بالعودة إلى الوضع الفصائلي أكثر جدوى وأأمن على المشروع الجهادي؟
بالتأكيد لا نستطيع الإجابة، ولو أن التبريرات التي قدمت لإعلان الدولة كانت كافية وصريحة للعامة وللنخبة لما كانت الطعون فيها بهذه السهولة، ولما اضطر الكثير لإثارة التساؤلات بين الحين والآخر والتوجس الدائم من قادم الأيام.