أبرزهم. أما ما دون ذلك فهو أبعد ما يكون عن الحقيقة، وأحسب أن القاعدة لن تغفر لإيران تسليم أفغانستان والعراق للولايات المتحدة، ولن تنسى أسراها أو تدخلها الدموي في العراق عبر أحزابها الصفوية وأجنحتها المسلحة ومخابراتها.
ربما تكون القاعدة ومن بعدها الدولة ارتكبت أخطاء مدمرة في العراق بحق نفسها وبحق الآخرين، وهذا حال كل ساحة عنف أو جهاد، لكن الإصرار على تقديمها وكأنها تمارس حرفة القتل؛ فتقتل من العراقيين أكثر مما تقتل من الأمريكيين؛ والاجتهاد في ربطها بعلاقة استراتيجية مع إيران كما يشاع فهي مسألة عصية على الفهم إلا إن كانت بمختلف مسمياتها، طوال هذه المدة، تنظيما فارسيا أو على الأقل ينتسب بصلة قرابة لأبي لؤلؤة المجوسي وهو ما ينبغي التثبت منه! وإلا فهل من معنى آخر، سوى الاستخفاف بالعقول، لما يورده د. علي النعيمي الناطق الإعلامي للجيش الإسلامي في العراق ردا على سؤال، في اللقاء المفتوح الذي نشرته مؤسسة البراق، يتعلق باتهامات البغدادي في خطاب سابق له من أن جبهة الجهاد والإصلاح"شابَهوا الرافضةَ في أسلوبِ التَّقِيَّةِ"، مجيبا بأن:"كل المؤشرات تشير إلى قيام القاعدة بتنفيذ مخطط إيراني لإرهاق أهل السنة وإظهارهم بأبشع صورة ليتسنى لإيران التدخل بعد عجز أمريكا لحماية أتباع أهل البيت المساكين من النواصب الوهابية السفاحين هذا أصبح بائنا بينونة لا غموض فيها ونحن لهذه المخططات بالمرصاد والله المستعان"؟
إنْ كان من مبرر لقادة القاعدة أن يتجنبوا استفزاز إيران خشية على مصير الأسرى ولأسباب عدة، أشرنا إليها بوضوح في مقالة سابقة بعنوان:"إيران تحت الحصار"، فمن الأجدى الاعتراف بأن القاعدة في العراق لم تلتزم كثيرا بنصائح قادتها آنذاك الداعية إلى تجنب استعداء إيران والشيعة بهدف التفرغ التام لمواجهة قوى الغزو العاتية التي حطت رحالها في العراق، هذه هي الحقيقة بحدودها المعقولة لمن أراد أن يفهم حقيقة ما يجري. ففي رسالة البيعة لأبي مصعب الزرقاوي ما يشير إلى تذمره الصريح من التحييد على خلفية ضغط الواقع الذي أجبره على إعلان حرب دامية ضد القوى الشيعية الصفوية. أما البغدادي فلم يتوانى في خطاب سابق له:"وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ"عن إعلان حرب شاملة ضد إيران ممهلا إياها شهرين للكف عن التدخل في شؤون العراق. أما لماذا لم تقع الحرب فهي مسألة تؤشر على أن حسم العلاقة مع إيران تواجه نوعا من التوازن بين التيار المتشدد في الرأي عند قادة السلفية الجهادية عامة والقاعدة خاصة والتيار المؤمن بالتحييد والانتظار. ففي مرحلة ما تغلب التشدد على التحييد وفي المرحلة الراهنة تَقدَّم فقه التحييد.
أما أوضح صورة للتوازن بين التيارين فنجدها في قضية إطلاق سراح القنصل الإيراني الذي احتجزه الجيش الإسلامي (آب 2004) وسلمه فيما بعد للقاعدة. فقد ظلت القضية راكدة ومطوية إلى حين اشتدت الاتهامات ضد القاعدة ودولة العراق، وظلت المسألة موضع أخذ ورد، حول مسؤولية القاعدة عن إطلاق سراحه بلا مقابل، حتى تدخل أحد مشايخ السلفية الجهادية في الفلوجة الكاتب عطا نجد الراوي والذي يحظى بسمعة طيبة بين أنصار السلفية الجهادية مبينا أن الإفراج عنه كان بشرطين: أحدهما أن تتوقف إيران عن التدخل في الشأن العراقي والآخر أن تتوقف عن الكشف عن أسماء المحتجزين لديها من القاعدة. في السياق، وبعيدا عن تفاصيل القصة يبقى مثيرا ما لفت الراوي الانتباه إليه حول قضية إعلان الحرب على إيران مشيرا إلى أن:"واجب المرحلة هو إغلاق أي جبهة"