فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 634

أما في وقفات البغدادي فقد لاحظنا تأطيرا لها في السياق التاريخي والشرعي من جهة وتوزينها في إطار ما تشكله من مخاطر على المشروع الجهادي من جهة ثانية. فقد حرص البغدادي في خطابه على التذكير بأن الصحوات تقع في سياق ما يسميه بـ"الردة الجماعية"، وهو سلوك شهده العالم الإسلامي وتواصل دون انقطاع منذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الأمة، وبالتالي ما من منطق في الأطروحة التي تحاول تحميل"القاعدة"مسؤولية فقدان الحواضن الشعبية للمجاهدين أو تعليق هذه"الردة"على شماعة الأخطاء خاصة بعد سقوط بعض الأطروحات كالتنظيم الوافد وغيرها.

الحقيقة الأولى أن الكثير من القوى المجاهدة والعلماء رفضوا مثل هذه التبريرات التي اعتبروها"حجة"لضرب المجاهدين والقضاء على المشروع الجهادي، بل أن أحدهم كتب ناصحا ومحذرا:"يا شيوخ الأنبار: المعاصي لا تبرر الكفر!".

والحقيقة الثانية أنه في مشاريع المقاومة الوطنية كانت تقع أحداث عظيمة واقتتال دام بسبب الأخطاء وغيرها، ولم تكن لتؤدي إلى التضحية بالمشروع الوطني أو وضعه على المحك ودعوة العملاء ليشكلوا بديلا، وليست التجربة الفلسطينية في لبنان عنا ببعيدة، فقد كانوا يتقاتلون لأتفه الأسباب لكنهم لم يتخلوا عما اعتقدوه ثورة أو حركة وطنية ولو إلى حين، فهل يعقل أن يسع المقاومين ما لم يسع المجاهدين؟ بالتأكيد الجواب بالنفي. وبالتالي فما من مقارنة يمكن أن يعتد بها لمن يحاولون المساواة ما بين الأخطاء (كأسباب) ومصير المشروع الجهادي (كنتائج) ، فالصحوات أولا وآخرا، هي مشروع أمريكي خالص، حتى لو أجبر المالكي على دفع رواتب لعناصرها، وليست هبَّة شعبية انتظمت بعفوية في عشرات المناطق، وهي تستهدف كافة الجماعات الجهادية، وهي أداة عدوانية لتحقيق أهداف أمريكية وليس أهدافا وطنية ولا احتياجات اجتماعية لا من قريب ولا من بعيد، فأي منطق، إذن، يبرر وجودها أو أفعالها أو المشاركة في مخططاتها؟! وبأي أيديولوجية أو شرعة يتطوع البعض لنصرتها، بغض الطرف عنها، ويتنصل حتى من إدانتها ناهيك عن مقاتلتها؟

الحقيقة الثالثة تقع في سياق خطاب البغدادي وهو يحاول بيان خطرها من خلال استعراض ميزان القوى القائم الآن في العراق، ففي الفقرة التالية إشارة إلى حجم القوى المعادية للمشروع الجهادي:"إن جنود دولة الإسلام ينازلون اليوم عدوًا قوامه مليون جندي وحسب تصريحاتهم الرسمية, أكثر من نصفه يخوض حرب مباشرة مع دولة الإسلام, فعدة المحتل تزيد عن 300 ألف جندي وهو ما صرحوا به مرارًا وتكرارًا آخرها ما أكده الصحفي اليهودي سيمور هيرش في برنامج لفضائية الجزيرة, فالجيش الأمريكي تعداده الرسمي أكثر من 160 ألفًا, وشركات خصخصة الحرب نحو 180 ألف جندي عدا آلاف الكوريين والبولنديين والأستراليين وغيرهم, وعدة الجيوش"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت