ومع ذلك فمن الصعب قبول الفرضية القاضية بأن السلفية الجهادية أفلست وباتت تسعى إلى الحضور الإعلامي أكثر مما تقدم خطابا جديدا أو أن خطابات الظواهري، مثلا، باتت ممجوجة لا تقوى على الصمود ولو في فضائية عربية، خاصة وأننا لم نألف في القاعدة ولا في السلفية الجهادية حرصا على الظهور لملاغاة وسائل الإعلام أو الرغبة في التعبير عن كينونة وطنية أو إعلامية أو أيديولوجية من نوع"نحن هنا"! فليست السلفية الجهادية هكذا، ونحسب، من واقع الخبرة والتخصص، أنها لن تكون من هذا النوع أبدا، وإلا فهي المؤشرات الأولى على الزوال.
إذن ما هو الجديد؟ والسؤال الأهم: لماذا يكتفي الظواهري بالتلميح في نقد إيران بينما يهدد البغدادي بإعلان الحرب؟ لنبدأ أولا بالوقوف سريعا على تحولات الخطاب السلفي في ضوء بعض خطابات الرموز قبل معالجة الإشكال مع إيران.
أولا: من الحدث الجهادي إلى الحدث الاجتماعي
في الحقيقة، وفي كل مرة نحلل فيها خطابات الظواهري كنا نجهد ونحن نفتش عن الجديد كي نقع عليه. أما هذه المرة، وعبر ثلاثة خطابات متوالية - إحداها مقابلة وثائقية، فقد كان ملفتا للانتباه ملاحظة بعض التحولات في خطاب السلفية الجهادية بناء على معطيات أمكن رصدها وتجميعها في مناسبات خطابية متعددة ومتنوعة المصادر.
فمنذ بداية العام الجاري لوحظ أن قضايا الإخوان المسلمين في العالم عامة وحركة حماس خاصة وما يسميه الظواهري بـ"فقهاء السوء"و"تجار الدين"باتت من أبرز أبجديات الخطاب الصريح لزعماء القاعدة. فقد وردت هذه القضايا الثلاث في خطابات ومقابلات العديد من الرموز كالظواهري وأبي اليزيد المسؤول الجديد للقاعدة مع مؤسسة السحاب والشيخ عطية الله في مقابلته الأولى مع مركز اليقين الذي ظهر مؤخرا ومع أبي يحيى الليبي. وبالتأكيد فالتركيز على هذه القضايا يعني أنها هدف مشروع للسلفية الجهادية كما لو أنها عقبة في طريق العبور إلى القضايا الكبرى التي تدافع عنها السلفية الجهادية كالحاكمية وتجنيد المسلمين لقتال الأعداء الصائلين في بلاد المسلمين ونصرة الجهاد بدلا من نصرة الأعداء أو الأنظمة الحاكمة. أما فيما يتعلق بحماس تحديدا فإن تسليط الضوء عليها وتعريضها للنقد الشديد والمكثف يقع في أكثر من سياق بدء من الخشية عليها من الانزلاق في دهاليز السياسة والشرعية الدولية وما إلى ذلك ومرورا بتعرية مواقفها الجديدة عبر ممارسة الضغط الجماهيري على قياداتها السياسية للحيلولة دون اندفاعها بسياسات غير محسوبة وانتهاء بالعمل على تحصين قواعدها المسلحة وحمايتها من الزج بها في أتون الصراعات السياسية عبر تقديم السلفية الجهادية نفسها كطوق نجاة لها إذا ما تعرضت لضغوط القيادة السياسية.
كما لوحظ على السلفية الجهادية توجهها إلى الخطاب السياسي والاجتماعي على غير العادة. فالقاعدة مثلا جماعة لا تقيم كبير وزن في نشاطاتها للقضايا الاجتماعية ولا السياسية بقدر ما تركز على الجهاد كأداة أساسية في تحقيق أهدافها. بطبيعة الحال تقرأ الجماعة الواقع السياسي وتدركه جيدا ولكنها ليست معنية بالتعقيب على حدث ذو طابع سياسي له أهله وناسه. وفي السياق يلفت الانتباه، فعلا، تعقيب الظواهري على تكريم ملكة