العسكريين أنفسهم الذين اعترفوا بأن الحرب على السلفية الجهادية في ديالى"ستأخذ وقتا"، وهي تصريحات تعبر عن خيبة أمل وفشل ميداني ذريع للقوات الأمريكية وحلفائها. وفي السياق ظهرت دراسة جديدة صغيرة لكاتب في شبكة الحسبة (أبو دجانة الخرساني) ولكنها مدججة بإحصاءات مقارنة من مصادر أجنبية متخصصة عن خسائر أمريكية كبيرة منذ بدء العمل بخطة تأمين بغداد، وتشير بعض البيانات إلى أن:
"عدد قتلى قوات التحالف في محافظة بغداد عام 2007 وحتى لحظة إعداد البحث بلغ 266 قتيلا، بينما قتل نفس العدد في بغداد طوال عام 2006! وفقط 242 قتيلا طوال عام 2005! وهذا يؤكد على أن خطة أمن بغداد لم تكن إلا وبالا على القوات الأمريكية, بل إن عَدد قتلاهم في بَغداد لأول ستة شهور من عام 2006 كان فقط 97 قتيلا، وفي الإجمال فإن عدد القتلى الأمريكيين في عموم العراق آخر ستة شهور من عام 2006 كان 492 قتيلا بينما بلغ 608 قتلى في أول 6 شهور من عام 2007 بزيادة مئويّة تصل إلى 24%".
ولعل تقارير المخابرات الأمريكية السرية عن"تحول القاعدة إلى قوة عاتية بعد هجمات 11 سبتمبر"كافية لوضع السياسة الأمريكية برمتها تحت المساءلة. ولكن هل تكفي مؤشرات القوة والتمكين لتحيل دولة العراق الإسلامية إلى فتح جبهات أخرى؟ وهل هي من تقف خلف إعلان الحرب على إيران؟
ما من خطاب ألقاه الظواهري إلا وأعقبه تساؤلات عن سبب غياب إيران تصريحا لا تلميحا عن النص. فالخصوم يتحدون والأنصار يبررون والمراقبون حائرون، والظواهري يناله الأذى والسلفية الجهادية عموما تتعرض للطعن بسبب ما يراه الخصوم محاباة لإيران على حساب الحكم الشرعي! والسؤال: لماذا يضرب الزرقاوي ويهدد البغدادي فيما يتجنب الظواهري التعرض لإيران؟ كيف يمكن فك هذه المعادلة العويصة؟
واقع الأمر أن السلفية الجهادية على عداء مستحكم مع إيران، فهي لن تنسى أن إيران هي من سلمت بغداد وكابول للقوات الأمريكية وهو ما لم تنكره إيران بقدر ما اعترفت به وسعت إلى تثبيته بل وفاخرت به. وبالتالي ما من جدوى في رمي السلفية باتهامات تصب في خانة العلاقات السرية مع إيران، وليست التصريحات بهذا الشأن من مصادر استخبارية إلا لإحداث اختراق يستهدف الطعن بمصداقية السلفية الجهادية وتشويه سمعتها علها تنجح، في حربها عليها، إلى إحداث نوع من الانفضاض عنها. ودون ذلك سيعني حكما أن السلفية الجهادية في أفغانستان وفي العراق تقعان على طرفي نقيض فيما يتعلق في السياسة العامة تجاه إيران وهو محض أوهام، إذ ليس من المعقول أن تحابي إحداهما عدوة الأخرى، وليس متصورا أبدا أن يكون قادة القاعدة والسلفية الجهادية في أفغانستان على خلاف عقدي مع قادة دولة العراق الإسلامية إحدى أبرز أدوات السلفية الضاربة في العالم. ومع ذلك يبقى السؤال قائما: بماذا نفسر غياب إيران عن خطابات قادة القاعدة؟
من أساسيات السياسة الشرعية فقه تحييد الخصوم، وثمة فرق شرعي صارم بين فقه الخضوع المنبوذ في الشريعة وفقه التحييد المحمود، ولو عدنا لخطاب البغدادي سنلحظ بوضوح اعتماده لفقه التحييد في التعامل مع إيران طوال أربع سنوات مضت:"... لطالما تحاشينا الصدام المرحلي بكم من باب السياسة الشرعية ..."، ولأننا أميل إلى القول بأن سياسة القاعدة تجاه إيران مصدرها الأساس يقع في هذا السياق من الفقه الذي يلزم القاعدة العمل به،