فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 634

ويأخذ برؤيته!! لذا فهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة .. يتدخل في أنحاء مختلفة من العالم .. في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا ووكل البلاد العربية .. وكثير من الدول جهدت في تجنب شره من سوء وحشيته وإثارته للنزاعات، وتغذيته للحروب. فكيف يكون الأمر مع من يعتقد أنهم الأولى بنصرته وتأييده والتصفيق له، فإذا بهم ينقلبون عليه، ويثورون ضده؟ هكذا يقاتل القذافي شعبا أعزلا يستحق منه «التحقير» و «التأديب» ، وإيقاع أقصى العقوبات عليه، مستخدما، في ذلك، كل الوسائل والأدوات المتوفرة له، وبكثافة نارية وحشية، لا ترقب في طفل أو امرأة أو شيخ أو أجنبي أو صحفي أو حتى جثة مغدورة إلا ولا ذمة .. وكما لو أنه يخوض حربا عالمية.

على هذه الخلفية؛ حيث العجز والشعور بانعدام الحيلة في التصدي لهذا الطاغية، وغياب النصير القادر على تعطيل وحشيته، أوكل الليبيون أمرهم للغرب، ووضعوا كل ثقتهم بالمجلس الوطني، أيًا ما كانت المواقف والسياسات والإجراءات، بحجة أن مهمته تنحصر في إدارة المرحلة الانتقالية التي تقتصر على الإطاحة بالقذافي، والتحضير للدولة المدنية الحرة. لذا فقد صموا الآذان، وأحكموا إغلاق الأبواب على ما يرونه صوابا، بقطع النظر عما يراه غيرهم .. وانتهوا، حتى هذه اللحظة، إلى حشر المسلمين، ممن اكتووا، على مدار القرون والعقود، بنار الحقد الصليبي، وتفحمت جثثهم، أو انسلخت جلودهم، وتقطعت أوصالهم وأشلاءهم، في دعوى ظالمة: «إما معنا فيما نختار أو دعونا وشأننا» !!! فأثاروا استهجان وحنق الغالبية الساحقة، ممن اندفعوا، إلى مناصرتهم بحرقة، أو تسابقوا في مدّ يد العون إليهم، من أشقائهم العرب، أو تعاطف معهم، أو تألم لألمهم، أو سعى لحشد التأييد لهم!!!

وهكذا؛ فما أن صدر القرار، بفرض الحظر الجوي، حتى استقبله الليبيون بنشوة عارمة في بنغازي، سواء عبر إطلاقهم الألعاب النارية أو عبر تسيير المظاهرات الشعبية في عدة مدن، أو عبر رفع الأعلام الفرنسية إلى جانب علم الاستقلال الليبي، فضلا عن لافتات الشكر، والاعتراف بالجميل خاصة لفرنسا، ولعامة الدول المشاركة بالحظر، بالإضافة إلى خطب الجمعة التي ردد خطيب مدينة درنة فيها ما يردده عامة الليبيين: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» ، وعليه فـ «شكرا لفرنسا» !!! بل أن المواقف الشاكرة والمؤيدة للحظر والضربات الجوية امتدت حتى وصلت إلى بعض الثوار والنخب الليبية التي أولت ثقتها التامة بالمجلس الوطني.

وبعيدا عن مواقف الدول التي رفضت التدخل تخوفا من نفس المصير .. وبعيدا أيضا عن موقف عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية صاحب الحسابات الانتخابية في الرئاسة المصرية .. فقد بدا أغلب الليبيين، تحت وقع الصدمة، غير عابئين بأي منطق شرعي رغم غلبة الطابع الديني على سلوكهم وحبهم لدينهم، ولا آبهين لأية حقائق تاريخية أو راهنة انتهكت الإسلام والمسلمين، ولا مراعين لمشاعر مطعونة لا وزن لها حتى لو كانت معمدة بالدماء، وغير مكترثين لأية محاذير موضوعية، أو تداعيات سياسية مستقبلية، يمكن أن تترتب على التدخل الغربي، بل أنهم بدوا أقرب ما يكونوا إلى رفض الاستماع لكل من يخالفهم الرأي، سواء جاءت المخالفة في صيغة انتقاد أو نصيحة أو تحذير أو مخاوف أو حتى مجرد قراءة للوضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت