لا شك أن المواقف الشعبية والرسمية والدينية الليبية، تجاه الحظر الجوي والتدخل الغربي، تسببت في ضمور التعاطف الشعبي العربي، وإصابة أصالة الثورة بجراح غائرة، إلى الحد الذي بات يهدد باستنزاف مشروعيتها، وفقدانها لبريقها، بالرغم من عظيم تضحيات الليبيين أمام وحشية القذافي، وجنون كتائبه القاتلة. فما الذي يجعل الليبيين واثقين من خيارات يراها المناصرون لهم كارثية؟ ولماذا يصرون على الاحتماء بالغرب بدلا من الاحتماء بأشقائهم؟ ولماذا يظنون أن الغرب صادق في نصرته لهم؟ ولماذا يؤكدون على قدرتهم بإسقاط القذافي إذا حصلوا على غطاء جوي؟
فالأخطاء الليبية القاتلة في الميدان، وكذا في السياسة، سببها ثقتهم الزائدة بأنفسهم، ونفورهم من «الأجنبي» حتى لو كان شقيقا أو نصيرا لهم، فكيف سيكون الأمر مع هذا «الأجنبي» إذا كان عدوا؟ أو كانت له أسبقية في الاستعمار؟ لكنهم في الواقع لا يمتلكون الخبرة في القتال والحروب. وليست لهم أية تجارب حربية أو سياسية منذ الاستقلال، حيث تغيرت الأجيال، والثقافات، وانزوت الخبرات. حالهم، في ذلك، كحال الكثير من الشعوب التي لم تخض حروبا أو تتعرض للغزو. قد تبرر هذه الوضعية، نظريا وحتى موضوعيا، طلب النصرة أو المساعدة، لكنها لا يمكن أن تبرر الاستعانة بالغرب أو إحالة وقائع الثورة لطائرات الناتو وسفنه الحربية.
فقبل أن يصدر قرار الحظر الجوي كانت فرنسا تقول بأنها ستشرع في ضربات جوية بعد ساعات من صدور القرار. والواقع أن الضربات الجوية تأخرت نحو 36 ساعة قبل أن تنطلق، وكانت خلالها كتائب القذافي تسابق الزمن، في السيطرة على المدن، حتى وصلت إلى المداخل الغربية لبنغازي، وقتلت ما قتلت، وبثت الذعر في صفوف السكان الذين كانوا يحتفلون بصدور القرار، ويقيمون الصلوت والدعوات. فبأي منطق جرى تأخير القرار الذي اتخذ، أصلا، بهدف حماية المدنيين!؟ وماذا عن أولئك الذين قتلوا قبل بدء الضربات الجوية؟ أليسوا ضحايا للتدخل الدولي؟
الطريف أن الثوار الليبيين كانوا يطالبون فقط بتحييد طائرات القذافي دون أي تدخل بري من القوات الدولية. وهيمنت عليهم النشوة حتى ظنوا أنهم قادرون على سحق كتائبه. وحتى هذه اللحظة لا يرغب الليبيون بطرح السؤال الواجب: ماذا سيفعلون إذا فشل الحظر الجوي أو الضربات الجوية في وقف تقدم الكتائب الأمنية؟ أو شل فاعليتها؟ فالواقع الميداني يؤكد بأن تعطيل سلاح الجو لم يكن كافيا لتقدم الثوار، الذين صاروا يطالبون بقصف الكتائب وملاحقتها وتدمير عتادها!!! والأسوأ من هذا أن بعض الليبيين يتصرفون وكأن القوات الغربية طوع يمينهم!!! فكلما اصطدموا بقوات القذافي تساءلوا: أين القصف الجوي؟ لكنهم لم يتساءلوا: لماذا غدروا بهم؟ ولماذا يتلاعبون بأرواحهم؟ وماذا لو أوقفوا حملتهم لحساباتهم الخاصة؟ هل سيتوقف الثوار عن الزحف ويستسلمون لبطش القذافي؟
لأكثر من 24 ساعة مضت لم تنفذ القوات الدولية أية عملية قصف جوي. وتبعا لذلك فقد استأنفت كتائب القذافي هجماتها، من جديد، لتكتسح المدن مرة ثانية دون أن تعترضها أية طائرة، حتى وصلت إلى رأس