الخير والصلاح. وكمثل الليل الذي جعله الله لباسا وسكنا، وقد يستوحش له أخو العقر [1] ، ويذبّ فيه [2] ذو الرتبة، وتعدو [3] فيه السباع وتنساب الهوام، فلا يزري صغير ضرّه بكبير نفعه، أو كمثل النهار الذي جعله الله ضياء ونشورا وقد يكون منه على الناس أذى الحر في قيظه [4] ، ويصيبهم منه النصب والتعب، وكثيرا ما يشكوه، الناس حتى أنهم يستريحون منه إلى الليل وسكونه، ولو أن الدنيا كانت كلها سراء بلا ضراء، وكانت بلا كدر، وميسورها بلا معسور، لكانت هي الجنة التي لا يشوب مسرتها مكروه، ولا فرحها نوح، والتي ليس فيها تعب ولا لغوب ولا نصب. وكل شيء من أمر الدنيا يكون شرّه خاصا [5] فهو نعمة عامة، وكل شيء يكون نفعه خاصا [6] ، فهو بلية عامة.
وإلى هاهنا كلام ابن المقفع.
أنشد عن بعض البلغاء قول الشاعر:
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل النعيم عن ملك ... قد انتهى ملكه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا متّرك [7]
فقال: قد وضح القول الذي ليس كالأقوال عن أن الله تعالى يؤتي [ملكه] [8]
من يشاء، وينزعه عمن يشاء، ويذل من يشاء [9] . فصار إقراره إياه في نصاب، ونزعه إياه، من
(1) أخو العقر: أي أن الكريم قد يستوحش السير ليلا.
(2) في الأصل: (يدب) يقال: ذب فلان لونه، وذببنا ليلتنا: أتعبنا في السير.
(3) في الأصل: (وبعدوا) .
(4) في الأصل: (أدى الحرفي قيظهم) .
(5) في الأصل: (خاصة) .
(6) في الأصل: (خاصة) .
(7) في الأصل: (ليس يعان ولا لمغترك) .
(8) في الأصل: (يؤتيه من يشاء) .
(9) في الأصل: (عمن يشا من يشا) وفي الكلام إشارة إلى قوله تعالى: {قُلِ اللََّهُمَّ مََالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشََاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ} آل عمران: 26.