وملتبس بالرّكب بادرت خلفه، ... ألوّح بالأردان، وهو يراني
وآخر هزّتني إليه ارتياحة، ... ومن دونه ذو صفصف ورعان [1]
تحمّلت سهما أوّلا من فراقه، ... فلمّا رآني لا أخور رماني [2]
أقول له، والدّمع يأخذ ناظري ... بأبيض من ماء الشّؤون، وقاني:
أترضى عن الدّنيا ومولاك ساخط، ... وتمضي طليقا وابن عمّك عاني؟
وفي ذلك الوادي الذي أنبت الهوى ... جنابان من نوّاره، أرجان
وماء تشيه الرّيح كلّ عشيّة، ... كما رقم البرد الصّبيغ يماني [3]
مررت بغزلان على جنباته، ... فأطلقن دمعي واختبلن جناني
وعاجلني يوم الرّفيقين في الهوى، ... عشيّة ما لي بالفراق يدان
يقولان أحيانا: بقلبك نشوة، ... وما علما أنّ الغرام سقاني
وكم غادر البين المفرّق من فتى ... يمسّح قلبا دائم الخفقان
ومنتزع من بين جنبيه زفرة، ... تخلّي دموع العين في الهملان
وما الحبّ إلّا فرقة بعد ألفة، ... وإلّا حذار بعد طول أمان
هو الشّغل استولى على كلّ مهجة، ... وألقى ذراعيه بكلّ جنان
سلوت الهوى والشّوق إلّا ذؤابة ... تراجع قلبي من نوى وتداني [4]
وصرت أرى أنّ الشّجون علاقة، ... تليق بقلب العاجز المتواني
فها أنا ذا لا أمتع العين بالكرى، ... وتأمل قود النّوم بعد حران
تقلّص عن مسّ النّعاس جفونها، ... كما قلّصت للبارد الشّفتان [5]
(1) الصفصف: المستوي من الأرض الرعان، جمع رعن: أنف الجبل، الجبل الطويل.
(2) أخور: أضعف.
(3) تشيه، من الوشي: ترقمه، تزخرفه يماني: رجل يماني.
(4) سلوت: نسيت ذؤابة كل شيء: أعلاه.
(5) تقلّص: تتقبض وتنضم.