فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 564

دائما تبدأ الانتفاضة الثورية بكوكبة صغيرة من الشباب العازم المؤمن والمصمم على قضيته والمستعد للتضحية في سبيلها، وسرعان ما تلتف الجماهير حول هذه الطليعة الثورية إن هي أحسنت بلورة فكرة جسدت مطالبها ومطامحها وأحسنت تقديم نفسها كقدوة مستأهلة للقيادة على مستوى التضحية والإدارة .. ويتمدد التنظيم ويتوسع حاملا معه كل سلبيات وإيجابيات هذا التوسع.

ومهما كان التنظيم الطليعي قادرا وكبيرا وكثير العدد، فأن حربه تبقى بالنيابة عن الجماهير التي يجب أن تكون بالنسبة له كما قال أحد كبار منظري حروب العصابات (البحر الذي يجب أن يسبح فيه التنظيم الطليعي كسمكة) فهو مصدر معلوماته وتموينه وأفراده والجو العام الذي يستخفي فيه .. ولقد نجحت كل حرب ثورية أحسنت تعبئة الجماهير لصالحها كالجزائر والصين وفيتنام.

وفشلت كل حرب ثورية أخفقت في ذلك وعُزلت عن جماهيرها لسبب من الأسباب كحرب العصابات التي قامت في ماليزيا والفلبين واليونان [1] ... ونتكلم في هذه الفقرة عن موضوع التنظيم والتعبئة واختيار الأفراد من الجماهير لضمها للتنظيم، وغالبا ما تكون الجموع ولا سيما شريحة الشباب (15 - 30 سنة) مندفعة نحو العمل تريد المشاركة، ويبرز هنا دور القيادة الطليعية للعمل في تنظيم هذا الأمر والسيطرة عليه للإفادة منه والتقليل من أخطاره التي منها دخول عناصر غير كفؤة على كل المستويات أو اختراق النظام المعادي للتنظيم بعناصر مندسة، أو تمدد التنظيم تمددا لا يسمح بالسيطرة عليه فتعم الفوضى وتكثر الخسائر التي يكون التنظيم في غنى عنها .. الخ.

وقد حصل أن أعلن عدنان عقلة في بيان صوتي مسجل في منطقة حلب وما حولها استعداد الطليعة لتسليح وتعبئة كل مؤمن من أبناء الشعب، بعيد الانتصارات الرائعة التي أحرزتها الطليعة والتأييد الجماهيري الكاسح. وقد نحى كثير من القواد الميدانين للطليعة (وهي التنظيم الوحيد الذي عبأ الجماهير خلال الأحداث) هذا النهج أيضا .. فأدخل في التنظيم مئات الشباب خلال أشهر قليلة، وكانت النتيجة خسارة فادحة. إذ أن التنظيم استح اتساعا لا يمكن لميزانية الطليعة أن تسيطر عليه على مستوى التسليح والمعدات ولا يمكن لها أن تفيد منه في التخطيط التعبوي على مستوى التدريب والمشاركة، ولقد كان معظم الداخلين شبابا مخلصا مندفعا من الأغرار شكلوا صيدا سهلا لأجهزة الأمن والمخابرات.

ونظرا لطبيعة التنظيم الهرمية البناء، فقد أتت حملات الاعتقال وتسلسل الاعترافات على معظم تلك الكوادر الشابة التي ذهبت هدرا طعمة للاعتقال والإعدام ولم يشارك منها في الأحداث إلا القليل .. كما سمح هذا الوضع بتسلل عدد قليل من عملاء للنظام -رغم أنه كان صغيرا- وقد اكتشف جلهم في الداخل وأعدموا نظرا للبنية الإسلامية التي يوفرها التنظيم المجاهد، واستطاع بعضهم أن يرتحل ليخترق صفوف المجاهدين المرابطين وراء الحدود حيث تسهل عملية الاختراق.

لقد كانت تجربة انفتاح التنظيم تجربة فاشلة، ولم يكن لها من فائدة سوى أن بعض أولئك الملتحقين استطاع التدرب من خلال المشاركة في المعركة مباشرة، وبرزت منهم كوادر رائعة على قلتها كما أمن هذا العدد الكبير جهاز استخبارات جيد للمجاهدين قبل وقوع المحنة. ويمكن الإفادة مما مضى من تجربتنا في هذا المستوى في عدة نقاط:

-أنه يجب عدم تنظيم أي عنصر غير مؤهل على صعيد الفكر والانضباط والسلوك الإسلامي، وعلى صعيد الكفاءة الذهنية والنفسية والبدنية، ويستحسن اختيار العناصر من أوساط الحركات الإسلامية.

(1) راجع الكتاب القيم"حرب المستضعفين"-مترجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت