منذ بدء الانهيار والذي يمكن التأريخ له بسقوط حماة، وقيام التحالف الوطني، وافتضاح ممارسات قيادة الإخوان المسلمين وسقوطها من أعين قواعدها وأعين من حولها من الحركات الإسلامية ثم الضربة التالية باعتقال عدنان عقلة -رحمه الله حيا أم عند ربه- بدأت كما ذكرنا في الفصل الأول هجرة من تبقى من الشباب في كل الأنحاء بين باحث عن العمل أو الدراسة كل يحاول تأسيس واقعه الذي كان موقوفا على الجهاد وعلى الثقة بقيادة ستذهب به إلى المجد والنصر والعودة للبلد أو إلى الشهادة في سبيل الله وعلى الحالتين فإنه ليس بحاجة للتفكير في الدنيا ..
ومع تتابع الوقت عبر السنوات العشر تقريبا التي مضت حتى الآن على أحداث حماة، والتي كان من أهم ميزاتها استمرار اضمحلال الطليعة واستمرار انشقاقات الإخوان وتعسفاتهم ثم المصيبة التي أسلفنا في قيام جبهة الإنقاذ، واستبعاد الجهاد عمليا بشكل نهائي ثم أثر حرب الخليج على الإخوان السوريين سواء في العراق أو السعودية كل ذلك أدى بشكل متدرج إلى تقلص القواعد في صفوف الإخوان بشكل هائل .. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن القواعد الأساسية التي كان يعول عليها وهم الشباب المرابط في عمان وبغداد وجلهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين إبان خروجهم من سوريا في (1980) تقريبا هم اليوم في أعمار تتراوح بين الثلاثين والأربعين .. فمعظمهم ولاسيما بعد هذه الأحداث قد شرع يؤسس في حياته الخاصة! فتزوج معظم العازبين وخلفوا، وتخرج من الجامعات من درس وانصرفوا ومن اختار درب العمل لأمورهم الخاصة وتوزعوا في أقطار الأرض الأربعة، ولعب الزمن لصالح النظام النصيري المحتل دورا أساسيا لم يغفلوا عنه في استدراج كثير من ضعفاء النفوس الذين ملوا وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم .. وعلى كل حال فمعظم الإخوة الذين غادروا ساحة بغداد وعمان للخليج أو اليمن أو أوربا أو سواها أسسوا حياتهم الخاصة بعيدا عن الإخوان بعد صراع مرير مع الفاقة والحاجة وقلة ذات اليد والقطيعة المخيفة ولم يعد يربطهم مع الإخوان إلا موضوع الوثائق التي لابد منها كي يتمكنوا نم الحركة، وموضوع التمثيل الذي يضمن لهم شخصية اعتبارية لدى الحكومات المضيفة لهم بوصفهم من الملاحقين الإخوان. وقد أدرك النظام هذا الأمر واستخدمه كما سنبين إن شاء الله.
ومن هذه الزاوية مازال الإخوان بشقيهم يتقاسمون الولاء النظري والاسمي لمعظم من لا يزال على رابطة بهم لهذا السبب وجل الشباب يصرحون بهذا بين بعضهم بل وأمام قيادات الإخوان إن ضمهم بعض الاجتماعات ..
بقيت طائفة ضيقة من الشباب تمكن الإخوان عن طريق الإقناع بالشرعية أو بالكفالة المالية أو بالاستفادة من قصور عقول بعضهم الذي ما يزال يحلم بأن الجهاد وعبر هؤلاء القادة الإخوان ممكن، مازالوا مرتبطين بالقيادة مباشرة يعملون ببعض أجهزتها الصغيرة مثل الإعلام أو الخدمات أو اللجان الاستشارية أو الاجتماعية إلى جانب أعمالهم الخاصة، كما أن كلا الجماعتين ما يزال يحتقظ بكادر عسكري مفرغ في معسكر يتراوح عدده بين الثلاثين والأربعين نفرًا لكل جماعة، وهو تواجد لابد منه حتى يمكن القول للباقين أننا ما نزال جماعة تعتبر (الجهاد) أجد الحلول الممكنة وتوفر جوا يُمكِّن من يخطر بباله أن يخرج للتدريب من الباقين وهم نزر يسير ونادر.