لقد كان غياب النظرة الاستراتيجية والرؤيا الشمولية المنطلقة من الواقع -كما رأينا- سببا في عشرات المقاتل التي تسببت في الهزيمة النكراء في تلك الجولة. ولقد علمتنا التجربة أن الانطلاق في تخطيط حرب العصابات- رغم أنها حرب غير منظمة- لابد له من حد أدنى من الخطوط العريضة في استراتيجية شاملة على المستوى السياسي والعسكري والإعلامي والمالي ... الخ وأن من يتصور أن بإمكانه فعلا إدارة حرب ثورية بهذا الشكل بإلقاء الحبل على الغارب زاعما أن هذا من التوكل على الله، فإنه يهزأ بنفسه وبمسؤوليته وسيدفع الثمن من دمه ودماء المسلمين.
إن حرب العصابات الإسلامية، شأنها شأن كل حرب ثورية لن يكون بالإمكان تخطيطها وتنظيرها على الورق ثم النزول بهذا الورق إلى أرض الواقع، فالعمل كله سلسلة من التفاصيل والمراحل المتلاحقة التي يفرضها واقع متغير ومفاجئ في كل لحظة، ولكن ورغم ذلك يبقى من واجب القيادة أن تنطلق بها من حسابات استراتيجية دقيقة آخذة بعين الاعتبار معطيات الواقع الاستراتيجية حتى في أدق التفاصيل، فترسم مخططا معتمدا على سلسلة من الاحتمالات والحلول البديلة المعدة مسبقا وكلما كانت القيادة متمتعة بالعبقرية والبصيرة النافذة وكلما كانت الدراسة للواقع أعمق وأبعد غورا، كانت تلك الاحتمالات محدودة العدد ممكنة الحلول ... إن أولى نتائج غياب النظرة الاستراتيجية والتخطيط الشامل هي انعدام المردود المتوخى من العمل العسكري والسياسي والإعلامي، وظهور الفوضى التنظيمية وضياع المجاهيد وتضاربها، وحدوث مفاجآت في سير الأحداث تعصف بلب المشرفين على سير الأمور. كما تدفع بالعمل العسكري إلى اللامركزية التي تؤدي إلى حصار جيوب المقاومة وإنهائها واحدة تلو الأخرى إلا أن يشاء الله.
فعلى القيادة أن تأخذ في حسبانها وهي تضع تصورها الاستراتيجي الشامل جملة من العوامل التي غالبا ما تكون ثابتة معروفة الميزات والأثر، وهي جملة المعطيات في هذه المسألة المعقدة، وما يمكن تسميتها
معطيات المسألة الاستراتيجية:
1 -واقع الدعوة، وقوتها الذاتية، وقواها الرديفة الصديقة والشعبية وأثر ذلك ومدى ثبات هذا الواقع.
2 -واقع العدو، وبنيته وقوته وبناؤه وأصدقاؤه وحلفاؤه وطبيعة نقاط ضعفه ...
3 -واقع الجماهير وهي الحكم الفصل في اللعبة، وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأثر ذلك في السكان، ومدى التعاطف مع الأهداف المرفوعة، معرفة واقعيته في نفسية التركيبة السكانية وشرائحها وأنواعها.
4 -الجغرافيا الطبيعية لمنطقة العمليات .. الأرض- التضاريس- الطبيعية العمرانية، المناخ العام وأثرها وصلاحيتها أو عدمها.
5 -الجغرافيا السكانية، توزع السكان وأنواعهم، طوائف، تجمعات، أعراق، أقليات، وأثر كل منهم في المسألة.
6 -الجغرافيا السياسية وأثرها في المعركة التي يخطط لها .. التجمعات السياسية الموجودة في الساحة وأثرها وقوتها ودورها .. صديقة، عدوة، محايدة .. تاريخها، مواقفها، رجالاتها.
7 -الجوار وأثره وطبيعة علاقته بنا وبالنظام وطبيعة تركيبته وإمكانية التأثير عليه.
8 -اللعبة السياسية المتعلقة بنا على صعيد الإقليم العربي، والإسلامي، الدولي ... إلى آخر ذلك من دراسات ملحقة وتصورات عن المعركة المقبلة أو الناشبة ومستلزماتها وإمكانية تأمين اللوازم ..
إلا أن هذا الفهم وإن كان لازما لا بد منه في الإعداد لابد من لفت النظر إلى نقاط أساسية ..