الحاكم في الإسلام موكل من قبل الأمة [1] لإدارة شؤونها وتنفيذ شرائعها وقوانينها وكلته لاتصافه بأهلية هذه الوكالة في نظرها -وهو الأصل في التوكيل- وحق عزل الموكل يبقى في يد موكله [2] عندما ينحرف هذا الموكل عن أداء دوره والعمل المنوط به إدارته وهذا أمر جلي لا يحتاج إلى بيان، وقد بيّن علماء الأمة الأقدمون منهم والمعاصرون هذا الأمر وقننوه ووضعوا له القواعد وفق ما لديهم من نصوص الكتاب والسنة النبوية الشريفة فما موقع حكامنا يا ترى من هذا الأمر وما مدى وجوب عزلهم والخروج عليهم ... يقول تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"النساء 59. وقد بين العلماء أن معنى هذا الرد هو الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
يقول الدكتور عبد الله النفيسي في كتابه (عندما يحكم الإسلام) ص141 وما بعدها تحت عنوان"الإسلام والخروج على الحاكم": (تدور هذه الأيام حوارات ساخنة في الأوساط الإسلامية حول مدى شرعية الخروج على الحكام في عصرنا هذا، بعض الذين يتصدرون للعمل الإسلامي نلاحظ عليهم حماس مضاد لكل فترة تؤيد الخروج على الحكام وأكثر من ذلك فهم قد غلوا في موقفهم واتهموا كل من لا يرى رأيهم بالغباء وقلة الفقه والخروج عن الملة في كتابات لبعضهم ... ونحن ننصحهم والدين النصيحة بالابتعاد عن هذا الغلو ونطالبهم كاخوة في الله أن يتقوا الله ويحذروه وألا يحسنوا الظن كثيرًا بأنفسهم ويسيؤوا الظن كثيرًا بإيمان غيرهم وإذا اختلفنا في هذه القضية فليكن الخلاف رفيعًا:
ونحن نقف في هذه القضية مع الذين يقولون بالخروج على الأنظمة الحاكمة في أرض الإسلام اليوم ونقف هذا الموقف استنادًا إلى دليلين 1 - الدليل الشرعي. 2 - الدليل العقلي.
1 -الدليل الشرعي:
يقول جل القائل في كتابه الكريم:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"المائدة 44."فاحكم بينهم بما أنزل الله"المائدة 49."فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"النساء65."ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها"الجاثية."واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك"المائدة 49."أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا"المائدة50."إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"النساء 15.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل) رواه الحاكم والطبراني وهو صحيح.
(1) كون الإمام موكلًا من الأمة هو ليس أمرًا مقطوعًا به بل هو أمر مرجوح حيث اختلف العلماء هل الإمام يتصرف مع الأمة بطريق الوكالة لهم أم الولاية، والراجح هو الولاية إذ لو كانت الوكالة لما صحت إمامة المتغلب عليهم بسيفه وهي إمامة صحيحة بالاجماع (فتح الباري ج13 ص7) ولو كانت بالوكالة لجاز لهم عزله بسبب وبغير سبب وهذا باطل إذ لا يجوز عزله والخروج عليه إلا إذا كفر وفي هذا الرد على الكلام المرقوم بالملاحظة (2)
(2) وليس بسبب أي انحراف لحديث ابن عباس مرفوعًا: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر) ولو كان بالوكالة لانعزل تلقائيًا بمجرد موت أهل الاختيار أو بعضهم (( أهل الحل والعقد ) )وهم نواب الأمة في اختياره وبموافقتهم تنعقد بيعته (انظر القواعد الفقهية لابن رجب الحنبلي ط دار المعرفة ص 113 - 114) . (المحقق) .