الناظر في كلام العلماء، يستخلص أن الحاكم ينقسم بحسب حاله إلى أربعة أقسام رئيسية:
1 -حاكم يحكم بشريعة الله عز وجل ينفذ كل أحكامها ولا يخرج عن شيء منها.
2 -حاكم يحكم بشريعة الله عز وجل ولكنه لا يحكم بما أنزل الله في بعض القضايا عن اجتهاد خطأ.
3 -حاكم يحكم بشريعة الله عز وجل ولكنه لا يحكم بما أنزل الله في بعض القضايا عن زيغ وهوى شخصي.
4 -حاكم يحكم بغير شرع الله وهو ينقسم إلى
أ حاكم يدعي أن هذا الشرع المخالف لشرع الله هو من عند الله.
ب حاكم يعترف أن هذا الشرع المخالف لشرع الله من عند نفسه أو غيره ومن جمع ووضع البشر.
وحكم كل حاكم من هؤلاء عند العلما ء كما يلي:
1 -فأما الأول فلا خلاف أنه مسلم عند جميع فرق وطوائف وعلماء المسلمين.
2 -والثاني الذي لا يحكم بما أنزل الله في قضية معينة عن اجتهاد خطأ فهو مسلم مأجور أجرًا واحدًا بشرط أن يكون خطؤه في الفروع لا في الأصول، وأن يكون في حكم غير معلوم من الدين بالضرورة وأن يكون قد استفرغ جهده في الوصول للحكم، ولاخلاف في ذلك عند أهل السنة أيضًا.
3 -والحاكم الثالث هو الذي وقع فيه معظم كلام السلف رحمهم الله وهذا الحاكم كفره غير مخرج من الملة على مذهب أهل السنة، فهو عاص لارتكابه ذنبًا عن هوى شخصي في هذه القضية المفردة المعينة.
فمن يدقق في كلام السلف، يجد أنهم يتحدثون عن قضية مفردة تقع فيها معصية وهي الحكم بغير ما أنزل الله، وجميع كلام السلف لدفع الكفر المخرج عن الملة إنما هو لدفعه عن هذا الصنف من الحكام، مع ملاحظة أن هذا الحاكم لا يحكم بما أنزل الله عن تبديل لحكم الله، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سنَّ الحاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة القضاء بها، بل عن هوى شخصي يدفعه إلى ادعاء عدم وقوع الحكم على الواقعة، فهو مثلاُ عندما يحكم في سارق يعرف أنه سرق-ونحن نفترض أنه في هذه القضية العينية عن هوى- لا يقول أنه يحكم عليه بالجلد مثلًا لأن عقوية السرقة هي الجلد بل يقول أن المدعى عليه لم يسرق بل احتال على صاحب العين المسروقة وحكمنا عليه بالجلد تعزيرًا له لتعزيره بالمدعي ...
مع أن هذا الحاكم لم يأت بتشريع جديد للحكم في القضية، إلا أن له شروطًا حتى يحتفظ بعدم خروجه عن الملة، وإليك كلام العلماء في هذا الحكم:
يقول القرطبي: ("ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"والظالمون والفاسقون، نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم -وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة) تفسير القرطبي ص 2187. قال طاووس وغيره: (ليس بكفر ينقل عن الملة ولكن كفر دون كفر) المصدر السابق. (وكذلك عند ابن جريج وعن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وعن ابن عباس في قوله:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"قال:(ليس بالكفر الذي تذهبون إليه) تفسير ابن كثير ج1ص61.
ويقول القرطبي: (وإن حكم به -أي غير حكم الله- هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين) تفسير القرطبي 2187.
ويقول الشيخ الشنقيطي: (ومن لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكب حرامًا فاعل قبيحًا فكفره وظلمه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر الآيات على أن الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص السبب أضواء البيان ج2 ص93.