ظهرت فكرة القومية العربية آخر أيام الخلافة العثمانية وتبلورت بعد ما سمي بالثورة العربية الكبرى، ثم تحولت شيئًا فشيئًا على أيدي الأحزاب القومية التي انتشرت في طول البلاد العربية وعرضها إلى إيديولوجية ذات أبعاد راسخة وطروح متمايزة. فبرزت طروحات الوحدة العربية والعمل من خلال الإطار العربي -نظريًا طبعًا- ورغم أنها أثبتت فشلها عمليًا ومنطقيًا وانحصرت في الزاوية النظرية البحتة عند بعض الأحزاب والتجمعات، إلا أن كثيرًا من المخدوعين مازالوا يرفعونها شعارًا ويطرحونها كإطار عمل .. أو كبضاعة للمتاجرة بآمال الشعوب المهزومة. وتكفي حال التجزئة والتناحر بين الدول العربية، ويكفي مشاكل لبنان ومشاكل الصحراء المغربية وغيرها من المشاكل العربية -العربية [1] .. تكفي لكي تثبت أنه لم ولن تكون القومية العربية إطارًا يحقق الوحدة، لأنها بناء قائم على جرف هار ودعوة لا أساس لها، وما لها من الله سلطان ولا نصير. في حين أثبت الإسلام أنه كطرح توحيدي فضلًا عن كونه دينًا أثبت صلاحية لتوحيد شعوب مترامية المسكن مختلفة الأجناس في بوتقة واحدةو وصقلهم وجعل حضارة حكمت الشرق والغرب تقوم على أيديهم .. وحقق لها شعور الانتماء الواحد أكثر من الذي يشعر به أبناء البلد الواحد.
فما موقع هذه القضية قضية القومية العربية في جدول الطرح الإسلامي وما مفهومنا عنها .. يقول الله تعالى:"إنما المؤمنون إخوة"الحجرات (10) ، ويقول تعالى:"وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، ويقول جل جلاله:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"الحجرات 13 ويقول:"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا"آل عمران 103.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) ويقول: (إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم لأن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم) .
فرابطة الانتماء والأخوة في الإسلام هي رابطة الإيمان وهي أمتن القرابة وأصل الترابط، وهذا أصل وركيزة في الطرح الإسلامي وهذا ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيفة الدستورية الأولى في الدولة الإسلامية عندما دخل المدينة وكتب فيها الميثاق الذي يحدد العلاقة بين دولة الإسلام الناشئة ومن يساكنهم من اليهود ومن حولهم من المشركين عندما جعل المسلمين أمة واحدة من دون الناس وحدد العلاقة بالآخرين بناء على هذا المنطلق ..
(1) وأخيرًا جاءتنا أحداث غزو الكويت وانشطار العالم العربي تيارات وأهواء تسقط ما تبقى لفكرة القومية من رصيد.