وأخبرنا القرآن الكريم أن رابطة البنوة فصمت بين نوح وابنه عندما انعدمت رابطة الإيمان، كذلك رابطة الأبوة بين إبراهيم وأبيه، فُصمت لما انعدمت رابطة العقيدة .. كذلك لم تنفع أبا لهب وهو العربي القرشي السيد عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رابطة النسب والقوم وكان من الهالكين لكفره، في حين كان بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي من خيرة أبناء هذه الأمة، حتى أن القرابة بلغت أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلمان منّا آل البيت) وهذا ما كان على مر التاريخ الإسلامي .. فقد ضمت دائرة الإسلام العرب والفرس والأكراد والترك والبربر والهنود والصين والأفارقة وغيرهم .. وجعلت منهم أمة واحدة من دون الناس كما قال صلى الله عليه وسلم. فكان لهم التاريخ الواحد، والمآثر الواحدة، والأفراح والأعياد الواحدة، ولغة الدين الواحدة التي لم تمنع أن تكون لكل شعب لغته وأصالته، بل لقد حافظ لهم الإسلام عليها ولم تندثر .. فالعلاقة بين الإسلام والمسلمين والشعوب الداخلة في الإسلام ليست علاقة استعمار وتذويب .. بل علاقة هداية وتكريم وتوحيد في بوتقة واحدة، ولقد دافع الإسلام عن الوطن الإسلامي بأن ضم جهود المسلمين في بوتقة واحدة، وجعلها منطلق العمل الإسلامي في الشرق من هجمات التتار كما حماه من هجمات الصليبيين على السواء، ولو انتصر الصليبيون في الشرق كما انتصروا في الأندلس قديمًا أو كما انتصر الصهيونيون في فلسطين حديثًا ما بقيت قومية عربية ولا جنس عربي ولا وطن عربي، والأندلس قديمًا وفلسطين حديثًا كلاهما شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فإنه لا يبقى فيها لغة ولا قومية بعد اقتلاع الجذر الأصيل.
والمماليك الذين حموا هذه البقعة من التتار لم يكونوا من جنس العرب إنما كانوا امن جنس التتار، ولكنهم صمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين حميّة للإسلام لأنهم كانوا مسلمين، صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية، وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم (ابن تيمية) الذي قاد التعبئة الروحية وقاتل في مقدمة الصفوف، ولقد حمى صلاح الدين هذه البقعة من اندثار العروبة منها والعرب واللغة العربية، وهو كردي لا عربي .. ولكنه حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين، وكان الإسلام في ضميره هو الذي كافح الصليبيين كما كان الإسلام في ضمير بيبرس والمظفر قطز، والملك الناصر هو الذي كافح التتار المتبربرين والإسلام هو الذي كافح في الجزائر مئة وخمسين عامًا، وهو الذي استبقى أرومة العروبة فيها بعد أن تحطمت مقاومتها المتمثلة في اللغة والثقافة حينما اعتبرت فرنسا اللغة العربية في الجزائر لغة أجنبية محظورًا تعليمها. هنالك قام الإسلام -وحده- في الضمير يكافح الغزاة ويستعلي عليهم ولا ينحني رأسه لهم لأنهم أعداؤه الصليبيون، وبهذا وحده بقيت روح المقاومة في الجزائر، حتى أزكتها من جديد الحركة الإسلامية التي قام بها عبد الحميد بن باديس، فأضاعت شعلتها من جديد .. وهذه الحقيقة التي يحاول طمسها المغفلون المضللون يعرفها الفرنسيون والصليبيون، فهم على يقين أن"الإسلام"باستعلاء روحه على أعدائه هو الذي يقف في طريقهم في الجزائر ومن ثم يعلنونها حربًا على المسلمين .. لا على العرب ولا على الجزائريين.