كانت هذه المشكلة حصيلة المشاكل التي تراكمت عبر الزمن على كل المستويات ولقد بدا فعل هذا المرض الخطير كامنا في الأيام الأولى مقتصرا على عدم الثقة الذي بدا واضحا بين الفرقاء والجماعات بعضها البعض. ولكن سير الأحداث على الشكل الذين سارت فيه، والعاصفة التي هبت إبان أحداث حماة وانكشفت أوراق القيادات (خاصة في صف الإخوان المسلمين) ، ثم دمار الطليعة والظرف (الدرامي) الذي أحاط به، كل ذلك أورث الجميع عدم الثقة في أي شئ، ودفعة واحدة انهارت كل الخيوط الباقية من الثقة بين الناس فانعدمت الثقة على كل المستويات، بين شخصيات القيادة أنفسهم وبين القيادة والقاعدة وبين شباب القواعد على اختلاف مراتبهم وأصبحت هذه القضية معضلة المعضلات أمام أي شكل من أشكال الإصلاح ورأب الصدع من جديد.
لقد كان لتحطم المثل الأعلى والضريبة الغالية الفادحة التي دفعتها تلك الجموع من جراء ثقتها العمياء التي تعاملت بها مع القيادة ورموزها عبر الأحداث، ردة فعل عنيفة جعلت هذه الثقة تكاد تكون مفقودة، هكذا أصبحت هذه إحدى أكبر الأزمات أمام أي عملية من أعمال الاستقطاب بغية الإصلاح ومتابعة السير وفق طرح صحيح جديد، وهكذا كانت هذه المشكلة المعضلة حصيلة كل تلك الأزمات.
وفي ختام هذا الباب نقول:
إن تجربة ثرّة من العمل الجهادي الثوري المسلح، كالتي مرت بها سوريا والحركة الإسلامية فيها طيلة أكثر من خمسة عشر عاما أعظم من أن تحيط بمشاكلها ودروسها وعبرها هذه الصفحات القليلة. ولن يكون من كبير الفائدة مزيد من الإطالة والتفصيل في هذا الكتاب الذي يستهدف مواضيع أخرى قصدنا إيرادها بهذا الترتيب والسياق ولا شك أن بعض الأبواب والفقرات التي مرت تحتاج كل واحدة منها إلى وقفة تأمل طويلة ممن يزمعون السير في درب كهذا الدرب فهي تجارب دفع ثمنها زكي الدم المجاهد، ولكن حسبنا -والله أعلم- ما عرضنا من الإيجاز لتاريخ المرحلة السابقة وبمقدماتها التاريخية ومن ثم نظرات في تلك التجربة ومن بعد بعض الدروس والعبر التحليلية لننقل للبحث التالي في الكتاب وحصيلة ما أفدنا منه شخصيا وهي نظريات قد يوافقنا فيها البعض وقد يخالفنا فيها آخرون وهذا أمر طبيعي فهدفنا منها إثبات قتناعاتنا التي تمخضت عن معايشة تلك التجربة بمختلف مراحلها ومعايشة الكثير من شخصياتها الفاعلة على أكثر من مستوى، والله الموفق.