فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 564

1 -حال المسلمين اليوم:

لا بد ونحن نستعرض حال المسلمين المزري التي وصلوا إليها من الذلة والمهانة والهوان على أنفسهم وعلى أعداء الله، من أن نقف عند البلاء الأول وسبب كل تلك المصائب، ألا وهو غياب شرع الله بكماله وشموله عن حياته ولاسيما غيابه السياسي واستبعاده من قضية الحكم والاستعاضة عنه بقوانين وشرائع جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان، لقد كانت هذه مصيبة المصائب بما تركته فيهم من خور وضعف وتفسخ اجتماعي وتحلل جعل من الطبيعي أن ينتهوا إلى ما انتهوا إليه. ولله در عمر حين قال: (نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، ومهما نبتغي العزة بغيره نذل) وإذا أردنا أن نقف على حقيقة أمرنا وماوصلنا إليه فماذا نجد:

أولًا: حالة من التقسم والتشرذم:

في دول ودويلات كثيرة وضعيفة متباينة الأهداف مختلفة التصورات، فهذه شرقية وتلك غربية وأخرى رأسمالية ورابعة اشتراكية .. وقد أورثنا هذا تباغضًا وتناحرًا وهزالًا وضاعت كلمتنا بين الأمم وهان أمرنا ووصلنا للحال التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتداعى علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها وسيطر الغرب والشرق على اقتصادنا ومص دماءنا فغدونا عالة على الأمم، وحتى البلد الواحد من بلاد المسلمين تراه كتلًا وفرقًا وأحزابًا تصطرع بلا نهاية ودون طائل. (إن حكامنا وزعماءنا وأصحاب الرأي فينا، لم يعودوا إخوانًا متحدين متعاونين كما يقتضي ذلك الإسلام، وإنما أحزاب وشيع، يعيشون متفرقين متنابذين، يتآمر بعضهم على بعض، ويتقول كل منهم على الآخر بالحق والباطل، ويتبادلون القذف والسباب كما لو كانوا يتقارضون المديح والثناء كل يحاول تحقير الآخر وتشويهه، وكل يريد أن يهدم أخاه ليرتفع على هامته أو ليخلو له الجو ينطلق فيه، وقد حرصوا على هذه التقاليد التي ينكرها الإسلام ومارسوها كلهم حتى مزقوا أعراضهم وقطعوا أرحامهم وهدموا أنفسهم وتركوا أسوأ مثل لمن بعدهم) [1]

فإذا أردنا أن ننظر لحال هذه الدول واحدة واحدة، فلن نجد إلا بلادًا قد سيطر على حكمها عوائل تتوارث الحكم فيها، وتتسلط على رقاب العباد بالباطل، وقد أوسع الله في رزق معظم هذه البلدان فراحت تبعثر أموال المسلمين هنا وهناك، فقسم ذاهب لدعم أعداء الإسلام، وقسم لبطر المعيشة والفسوق والعصيان والإنفاق في محرمات نهى الله عنها، وقسم في بنوك الغرب تتقوى بها القوى الحاقدة على حربنا لتنمو بالربا وسخط الله، وقسم عائد لشعب فسدت أخلاق العامة من شبابه وشيوخه وأمرائه، وأصبحت قصص مغامراتهم في مراقص أوروبا وأمريكا ومواخيرها مضرب الأمثال.

وفي طرف آخر، نجد بلادًا قد سيطرت عليها الأفكار الإلحادية والاشتراكية وحكمت رعيتها بالقهر والكبت تحت الشعارات الرنانة والطنانة، وذاق أهلها لباس الخوف والجوع والقهر. فتفشت الرشاوى والمحسوبيات وعمت الفوضى وانتشر الفساد، وقسم لا من هذه ولا تلك فهي دول تدعي الديمقراطية والحريات، وتخنق كل صوت إسلامي، مثلها مثل أخواتها وقعت في حضن الغرب ليعبث بمقدراتها كيف يشاء، ودول أخرى آلت إلى نفس المصير بطرق شتى .. ونظرًا لهذا الحال المتفسخ فلا عجب أن تنتشر الأفكار والمذاهب الفكرية باحثة عن حل لهذا الفساد .. ويلعب الغزو الفكري الصليبي والإلحادي دوره، ويتشرذم معظم مثقفي هذه الأمة بين ديمقراطي وشيوعي واشتراكي ووجودي .. تعددت مذاهبهم والكفر واحد.

ثانيًا: التفسخ الاجتماعي:

(1) الإسلام وأوضاعنا القانونية (عبد القادر عودة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت