ومن دخل في ولايتهم
كما أشرنا لهذا آنفًا، فإن العالم الإسلامي لم يمر في تاريخه بحالة شبيهة بالحالة التي يعيشها منذ سقطت الخلافة تقريبًا، حيث استبعد الحكم بما أنزل الله، وعمت أوضاع جديدة ولّدت مشاكل كبيرة لا حصر لها، وطرحت أسئلة كثيرة تنتظر الحل والفتوى من أهل العلم، وقد تصدى البعض لهذا الأمر، ولكنّ الموضوع لم يطرح على محمل الجدّ، والعمل والإيضاح والإبيان بالقدر الكافي حتى الآن .. وقد كان قدوم التتار لبلاد المشرق الإسلامي، قد أوجد أوضاعًا شبيهة لحد كبير بالوضع الحالي، حيث زعم التتار دخولهم الإسلام، بل وإن بعضهم أصبح فقيهًا وعابدًا .. وحكم ملوكهم بخليط من الأحكام الوضعية، يعود بعضها لأصل إسلامي ... وقد عاصر الإمام ابن تيمية ذلك الوضع وجاهده، وأفتى في أموره بفتاوى قيمة، يمكن العودة إليها فيما تشابه فيه حالنا بهم .. يقول الشهيد محمد عبد السلام فرج في رسالته (الفريضة الغائبة) تحت عنوان -المقارنة بين التتار وحكام اليوم-:
1 -واضح من قول ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون" (وقد مر بيانه) أنه لم يفرق بين كل من خرج عن الحكم بما أنزل الله أيًا كان وبين حكم التتار .. وفي الحقيقة أن كون التتار يحكمون بـ (الياسق) الذي اقتبس من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فلا شك أن الياسق أقل حرمة من شرائع وضعها الغرب، لا تمت للإسلام بصلة، ولا لأي الشرائع.
2 -وفي سؤال موجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية من مسلم غيور ... يقول السائل واصفًا حالهم للإمام: (هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وقد تكلموا بالشهادتين ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر، فهل يجب قتالهم؟ وما حكم من قد أخرجوه معهم كرهًا؟(أي أنهم يضمون المسلمين إلى جيشهم كرهًا -التجنيد الإجباري-) وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والتصوف ونحو ذلك؟ .. وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون والمقاتلون لهم مسلمون؟ وكليهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما .. (وهي نفس الشبهة الموجودة الآن وسوف يتم توضيحها إن شاء الله) الفتاوى الكبرى ص280 - 281 مسألة (516) .
3 -ويقول ابن تيمية في وصف التتار: (ولم يكن معهم في دولتهم مولى لهم، إلا من كان من شر الخلق، إما زنديق منافق، لايعتقد دين الإسلام في الباطن؛ أي أنه يظهر الإسلام، وإما من هؤلاء من هو شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم - وهم من أصحاب البدع- وإما من أفجر الناس وأفسقهم، وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق، وإن كان فيهم من يصلي ويصوم، فليس الغالب عليهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة(أليس هذا هو الكائن .. ؟)
4 -وهم يقاتلون على ملك جنكيز خان -اسم ملكهم- فمن دخل في طاعتهم جعلوه وليهم وإن كان كافرًا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوًا لهم وإن كان من خيار المسلمين، لا يقاتلون على الإسلام، ولا يضعون الجزية والصغار، بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم، أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى (الفتاوى الكبرى) ص286.
ملحوظة: أليست هذه الصفات هي نفس صفات حكام العصر، هم وحاشيتهم الموالية لهم الذين عظموا أمر الحكام أكثر من تعظيمهم لخالقهم.؟؟؟